أجله ، أي مخافة أن تحبط . والحبط : إفساد العمل بعد تقرّره ، يقال : حبط بكسر الباء وأحبطه اللّه .
وهذا الحبط إن كانت الآية معرّضة بمن يفعل ذلك استخفافا واستحقارا وجرأة ، فذلك كفر ، والحبط معه على حقيقته .
وإن كان التّعريض للمؤمن الفاضل الّذي يفعل ذلك غفلة وجريا على طبعه ، فإنّما يحبط عمله البرّ في توقير النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وغضّ الصّوت عنده أن لو فعل ذلك ، فكأنّه قال : أن تحبط الأعمال الّتي هي معدّة أن تعملوها فتؤجروا عليها .
ويحتمل أن يكون المعنى : أن تأثموا ، ويكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم ، فلا تزال معتقداتكم تتجرّد القهقرى حتّى يؤول ذلك إلى الكفر ، فتحبط الأعمال حقيقة .
وظاهر الآية أنّها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الّذين لا يفعلون ذلك احتقارا ؛ وذلك أنّه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا تشعر ، لأنّه ليس له عمل يعتقده هو عملا . ( 5 : 145 )
الطّبرسيّ : أي كراهة أن تحبط أو لئلّا تحبط أعمالكم . وقيل : إنّه في حرف عبد اللّه ( فتحبط اعمالكم ) . ( 5 : 130 )
الفخر الرّازيّ : فيه وجهان مشهوران : أحدهما :
لئلّا تحبط ، والثّاني : كراهة أن تحبط .
ويحتمل هاهنا وجها آخر ، وهو أن يقال معناه :
واتّقوا اللّه واجتنبوا أن تحبط أعمالكم . والدّليل على هذا أنّ الإضمار لمّا لم يكن منه بدّ فما دلّ عليه الكلام الّذي هو فيه أولى أن يضمر ، والأمر بالتّقوى قد سبق في قوله تعالى : ( واتّقوا ) .
وأمّا المعنى ، فنقول : قوله : ( ان تحبط ) إشارة إلى أنّكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتكم تتمكّن منكم هذه الرّذائل وتؤدّي إلى الاستحقار ، وأنّه يفضي إلى الانفراد والارتداد المحبط . ( 28 : 114 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 26 : 57 )
أبو حيّان : [ نحو ابن عطيّة ثمّ قال : ]
و
أَنْ تَحْبَطَ
مفعول له ، والعامل فيه ( ولا تجهروا ) على مذهب البصريّين في الاختيار ، و ( لا ترفعوا ) على مذهب الكوفيّين في الاختيار . ومع ذلك فمن حيث المعنى حبوط العمل علّة في كلّ من الرّفع والجهر .
وقرأ عبد اللّه وزيد بن عليّ ( فتحبط ) بالفاء ، وهو مسبّب عن ما قبله . ( 8 : 106 )
الشّربينيّ : ( ان ) أي كراهة أن تحبط أي تفسد فتسقط ( اعمالكم ) الّتي هي الأعمال بالحقيقة ، وهي الحسنات كلّها ،
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
أي بأنّها حبطت .
فإنّ ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخفّ به ، وإذا استخفّ واظب عليه ، وإذا واظب عليه أو شك أن يستخفّ بالمخاطب ، فيكفر وهو لا يشعر . ( 4 : 61 )
الآلوسيّ : قد دلّت الآية على أمرين هائلين :
أحدهما : أنّ فيما يرتكب من الآثام ما يحبط عمل المؤمن ، والثّاني : أنّ في أعماله ما لا يدري أنّه محبط ، ولعلّه عند اللّه تعالى محبط .
وأجاب عن ذلك ابن المنير عليه الرّحمة : بأنّ المراد