ونقول : نعم ، ولكن الآية تشمل كلّ من أحبّ اليهود من المسلمين طول الدّهر خداعا منهم ، ولا سيّما رجال في الأقطار الإسلاميّة الآن وأكثرهم عملاء للمستكبرين ، أو بسطاء مخدوعون يشيّدون بحبّ إسرائيل والاعتراف بها ، جريا للأمر الواقع حسب زعمهم .
5 - قال مغنيّة نقلا عن الطّبريّ ومن تبعه : « إنّ حبّ المسلمين لمن يكرههم من الكافرين دليل على أنّ الإسلام دين الحبّ والتّساهل » فهجم عليهم وقال :
« هذا سهو من الطّبريّ ومقلّديه ، لأنّ الإسلام لا يتساهل أبدا مع المفسدين والخائنين ، ولا شيء أدلّ على ذلك من هذه الآية نفسها الّتى فسّرها الطّبريّ بالتّساهل . . . » .
والحقّ - كما نطق به القرآن - فرق بين التّساهل مع الكفّار لكفرهم خداعا أو طمعا أو خوفا منهم ، وبين البرّ إليهم لأنّهم بشر لم يعتدوا على المسلمين
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الممتحنة : 8 و 9 .
ومع ذلك ففرق بين حبّهم قلبا والبرّ إليهم عملا ، وبين حبّهم لأنّهم بشر ، وبغضهم لأنّهم كفّار
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
الفتح : 29 .
6 - بون بعيد بين
تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ
وبين
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
في العلاقة بين المؤمنين والكفّار ، وبينهم وبين اللّه ، فهما على طرفي النّقيض ، فمن أحبّهم لا يحبّ اللّه ولا يحبّه اللّه ، ومن أحبّ اللّه ويحبّه لا يحبّهم ، كلّ ذلك لأنّهم أعداء اللّه ورسوله والمؤمنين .
7 - ويؤيّد ما ذكرنا في الآية ذيلها :
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ،
أي أنتم تؤمنون بالكتاب كلّه وهم لا يؤمنون به أصلا ، وأنتم تحبّونهم تحسبونهم محبيّن لكم ، والحال أنّهم أعداء لكم ، حتّى يعضّون عليكم الأنامل من الغيظ ، ويخفون غيظهم لكم .
ه - هذه أربع آيات في حبّ النّاس إثباتا : ثلاث منها تنديد وذمّ ، وواحدة ( 49 ) مدح . وأمّا الحبّ المنفيّ فهي ( 51 ) :
وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ :
1 - خطاب من صالح لقومه ( ثمود ) لمّا استكبروا ، وتولّوا عنه ، وعقروا النّاقة ، وعتوا عن أمر ربّهم ، فأخذتهم الرّجفة ، فتولّى صالح عنهم وندّدهم بأنّه أبلغهم رسالة ربّه ، ولكنّهم لا يحبّون النّاصحين .
2 - تدلّ على أنّ وظيفة الأنبياء إبلاغ رسالة ربّهم إلى النّاس ، ونصحهم بقبولها .
3 - إنّ طبيعة الاستكبار التّولّي عن الحقّ ، ورفض النّصح ، وأنّهم لا يحبّون النّاصحين .
4 - لم يكتف صالح بتنديدهم على أنّهم لا يحبّونه كناصح لهم بل عمّه لجميع النّاصحين رمزا إلى ما ذكرنا من أنّ طبيعة الاستكبار رفض النّصح من أيّ ناصح صدر : ومثله كثير في القرآن حيث يعمّ التّمجيد