باعتبار معنى ( من ) كما أنّ إفراده باعتبار لفظها
كَحُبِّ اللَّهِ :
مصدر تشبيهيّ أو نعت لمصدر مؤكّد للفعل السّابق ، ومن قضيّة كونه مبنيّا للفاعل كونه أيضا كذلك ، والظّاهر اتّحاد فاعلهما ، فإنّهم كانوا يقرّون به تعالى أيضا ويتقرّبون إليه . فالمعنى حبّا كائنا كحبّهم للّه تعالى ، أي يسوّون بينه تعالى وبينهم في الطّاعة والتّعظيم .
وقيل : فاعل الحبّ المذكور هم المؤمنون ، فالمعنى حبّا كائنا كحبّ المؤمنين له تعالى ، فلا بدّ من اعتبار المشابهة بينهما في أصل الحبّ لا في وصفه كمّا أو كيفا ، لما سيأتي من التّفاوت البيّن .
وقيل : مصدر من المبنيّ للمفعول ، أي كما يحبّ اللّه تعالى ويعظّم ، وإنّما استغني عن ذكر من يحبّه لأنّه غير ملبّس ، وأنت خبير بأنّه لا مشابهة بين محبّتهم لأندادهم وبين محبوبيّته تعالى ، فالمصير حينئذ ما أسلفناه في تفسير قوله عزّ قائلا :
كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ
البقرة :
108 ، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتربية المهابة ، وتفخيم المضاف ، وإبانة كمال قبح ما ارتكبوه .
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
جملة مبتدأة جيء بها توطئة لما يعقبها من بيان رخاوة حبّهم وكونه حسرة عليهم ، والمفضّل عليه محذوف ، أي المؤمنون أشدّ حبّا له تعالى منهم لأندادهم ، ومآله أنّ حبّ أولئك له تعالى أشدّ من حبّ هؤلاء لأندادهم . فيه من الدّلالة على كون « الحبّ » مصدرا من المبنيّ للفاعل ما لا يخفى ، وإنّما لم يجعل المفضّل عليه حبّهم للّه تعالى ، لما أنّ المقصود بيان انقطاعه ولانقلابه بغضا ، وذلك إنّما يتصوّر في حبّهم لأندادهم لكونه منوطا بمبان فاسدة ومبادئ موهومة يزول بزوالها .
قيل : ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشّدائد إلى اللّه سبحانه ، وكانوا يعبدون صنما أيّاما فإذا وجدوا آخر رفضوه إليه . وقد أكلت « باهلة » إلها عام المجاعة وكان من حيس .
وأنت خبير بأنّ مدار ذلك باعتبار اختلال حبّهم لها في الدّنيا ، وليس الكلام فيه بل في انقطاعه في الآخرة عند ظهور حقيقة الحال ومعاينة الأهوال ، كما سيأتي . بل اعتباره مخلّ بما يقتضيه مقام المبالغة في بيان كمال قبح ما ارتكبوه ، وغاية عظم ما اقترفوه . وإيثار الإظهار في موضع الإضمار ، لتفخيم الحبّ والإشعار بعلّته .
( 1 : 227 )
نحوه البروسويّ . ( 1 : 270 )
صدر المتألهين : في توضيح الفرق بين محبّة اللّه ومحبّة الشّيطان :
اعلم أنّ المحبّة نوعان بحسب المحبّ والمحبوب : محبّة هي من صفات الإنسان بحسب طبيعته البشريّة - وهي من هوى النّفس الأمّارة بالسّوء - ومحبّة هي من صفات الحقّ - وهي من آثار الإرادة القديمة الإلهيّة الّتي اقتضت خلق العالم بما فيه - كما قال تعالى : « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » .
وقال بعض الحكماء : « لولا عشق العالي لا نطمس السّافل » فمن وكّل إلى محبّته النّفسانيّة تعلّقت بما يلائم هوى النّفس من أصناف الأصنام الّتي ينحتها الشّيطان ، ليسخّر بها النّفوس ويجعلها من جنوده المعادية المنازعة ( المتنازعة - ن ) لجنود الرّحمان ، وجنوده أهل الدّنيا المحبّين لشهواتها وزهراتها سواء كانوا متّسمين بالإسلام