رؤية ولقاء ومشاهدة ، ولا يتصوّر أن يكون في الدّنيا ، وأمّا الشّوق بالتّفسير الثّاني فيشبه أن لا يكون له نهاية ؛ إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال اللّه وصفاته ، وحكمته في أفعاله ، وهي غير متناهية ، والاطّلاع على غير المتناهي على سبيل التّفصيل محال .
وقد عرفت حقيقة الشّوق إلى اللّه تعالى ، واعلم أنّ ذلك الشّوق لذيذ ، لأنّ العبد إذا كان في التّرقّي حصل بسبب تعاقب الوجدان ، والحرمان والوصول والصّدّ آلاما مخلوطة بلذّات ، واللّذّات إذا كانت محفوفة بالحرمان والفقدان ، كانت أقوى ، فيشبه أن يكون هذا النّوع من اللّذّات ممّا لا يحصل إلّا للبشر ، فإنّ الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل ، والبهائم لا تستعدّ لها ، أمّا البشر فهم المتردّدون بين جهتي السّفالة والعلوّ .
المسألة الثّالثة : في بيان أنّ الّذين آمنوا هم أشدّ حبّا للّه : أمّا المتكلّمون فقالوا : إنّ حبّهم للّه يكون من وجهين :
أحدهما : أنّه ما يصدر منهم من التّعظيم والمدح والثّناء والعبادة خالصة عن الشّرك وعمّا لا ينبغي من الاعتقاد ، ومحبّة غيرهم ليست كذلك .
والثّاني : أنّ حبّهم للّه اقترن به الرّجاء والثّواب ، والرّغبة في عظيم منزلته ، والخوف من العقاب ، والأخذ في طريق التّخلّص منه ، ومن يعبد اللّه ويعظّمه على هذا الحدّ ، تكون محبّته للّه أشدّ .
وأمّا العارفون فقالوا : المؤمنون هم الّذين عرفوا اللّه بقدر الطّاقة البشريّة ، وقد دلّلنا على أنّ الحبّ من لوازم العرفان . فكلّما كان عرفانهم أتمّ وجب أن تكون محبّتهم أشدّ .
فإن قيل : كيف يمكن أن يقال : محبّة المؤمنين للّه تعالى أشدّ ، مع أنّا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقّة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ، ولا يأتون بها إلّا للّه تعالى ، ثمّ يقتلون أنفسهم حبّا للّه .
والجواب من وجوه :
أحدها : أنّ الّذين آمنوا لا يتضرّعون إلّا إلى اللّه ، بخلاف المشركين فإنّهم يعدلون إلى اللّه عند الحاجة ، وعند زوال الحاجة يرجعون إلى الأنداد ، قال تعالى :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . . .
العنكبوت : 65 ، والمؤمن لا يعرض عن اللّه في الضّرّاء والسّرّاء والشّدّة والرّخاء ، والكافر قد يعرض عن ربّه ، فكان حبّ المؤمن أقوى .
وثانيها : أنّ من أحبّ غيره رضي بقضائه ، فلا يتصرّف في ملكه ، فأولئك الجهّال قتلوا أنفسهم بغير إذنه . أمّا المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه ؛ وذلك في الجهاد .
وثالثها : أنّ الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشّديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرّبّ ، فالّذي فعلوه باطل .
ورابعها : قال ابن عبّاس : إنّ المشركين كانوا يعبدون صنما ، فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن .
وخامسها : أنّ المؤمنين يوحّدون ربّهم ، والكفّار يعبدون مع الصّنم أصناما ؛ فتنقص محبّة الواحد ، أمّا الإله الواحد فتنضمّ محبّة الجميع إليه . ( 4 : 230 )
نحوه باختصار النّيسابوريّ ( 2 : 59 ) ، والخازن ( 1 : 116 ) .