عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
الشّعراء : 77 .
فكما أنّ لأرباب النّفوس بغلبات الشّهوات النّفسانيّة حظوظ منبعثة من دركات الجحيم - من النّساء والبنين والذّهب والفضّة والخيل والأنعام والحرث - على عدد أبوابها السّبعة ودركاتها الّتي كلّها محفوفة بالشّهوات كما قال صلّى اللّه عليه وآله : « حفّت النّار بالشّهوات » لكلّ دركة شهوة لها سبعة أبواب لكلّ باب جزء مقسوم ، منهم يتلذّذون بها عاجلا ، ويصلونها يوم الدّين آجلا ، كما قال :
إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
- يعني الآن عاجلا -
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ
- يعني غدا آجلا -
وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ
الانفطار : 14 - 16 فكذلك لأرباب القلوب بغلبات أوصافها الرّوحانيّة وجذبات عناياتها الرّبّانيّة حظوظ من درجات الجنان ونعيمها عاجلا ثمّ يدخلونها آجلا ، كما قال سبحانه وتعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
الانفطار : 13 ، نعيم الآثار والأفعال ، وأمّا نعيم الذّات والصّفات فأشار إليه بقوله :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
آل عمران : 14 ، وبقوله تعالى :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
الشّورى : 13 .
( 4 : 258 )
مكاشفة قرآنيّة
اعلم هداك اللّه طريق معرفته وعبوديّته ، إنّ كلّ من أحبّ شيئا محبّة نفسانيّة أو اعتقد معبودا حصر الإلهيّة فيه من المعتقدات المخالفة لما هو الحقّ في ذاته فهو بالحقيقة مشرك عابد للصّنم - سواء كان صنمه صورة موهومة أو شبحا محسوسا - وقد مرّ أنّه لا يعتقد معتقد من المحجوبين الّذين جعلوا الإله منحصرا في صورة معتقدهم فقط إلّا بما جعل في نفسه وتصوّره بوهمه ، فإنّ الإله من حيث ذاته منزّه عن التّعيّن والتّقيّد ، وبحسب أسمائه وصفاته له ظهورات في صور مختلفة ، فكلّ من أحبّ غير اللّه كحبّ اللّه ، فلم يكن أهلا لمحبّة اللّه مخلصا ، بل طردته العزّة والغيرة الإلهيّة إلى محبّة الأنداد واتّخاذ ما هو دون اللّه ، سواء كانت الأهل والأولاد والأحجار والأجساد .
وتحقيق ذلك أنّ كلّ محبّة لشيء فهو عبوديّة له .
[ ثمّ ذكر نوعي المحبّة كما سبق له وأضاف : ]
فمن أحبّ اللّه ينظر إلى ما سواه من حيث هو ما سواه بنظر العداوة ، كما كان حال الخليل عليه السّلام فقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
الشّعراء : 77 .
ومن كان في الأزل اهلا لمحبّة اللّه وعبوديّته فما وكّل إلى المحبّة النّفسانيّة الشّيطانيّة ، بل جذبته العناية الأزليّة ونظمته في سلك الكناية من قول : ( يحبّهم ) فيتجلّى لهم بصفة المحبّة ، فانعكست تلك المحبّة لمرائي قلوبهم ، فبتلك المحبّة يحبّونه ، فلا تتعلّق تلك المحبّة بغير اللّه ، لأنّها فائضة من عالم الوحدة فلا تقبل الشّركة ، كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ،
ولو أحبّ غيره لأحبّه من حيث كونه وليّا له ، نبيّا مبعوثا من حضرته ، أو كتابا نازلا من عنده ، أو أمّة قانتا للّه .
ولأنّ الأعداء - كأهل الدّنيا - أحبّوا الأنداد بمحبّة فانية نفسانيّة ، والأحبّاء أحبّوا اللّه بمحبّة باقية أزليّة ، فلا محالة لمّا تقطّعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا مبادي العذاب ، يتبرّء أهل هذه المحبّة الفانية بعضهم عن