أو بالكفر ، إذ لا فرق عند أرباب الحقيقة بين عبدة الأصنام وعبدة الدّنيا .
فكما أنّ الكفّار بعضهم يحبّون اللّات ويعبدونها ، وبعضهم يحبّون العزّى ويعبدونها ، كذلك أهل الدّنيا بعضهم يحبّون الأموال ويعبدونها ، وبعضهم الأولاد ويعبدونها ، وبعضهم يحبّ غير ذلك ، كما قال سبحانه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ .
ولهذا أعلم اللّه عباده عن فتنة هذه الأشياء وحذّرهم عنها بقوله :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
وبقوله :
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
التّغابن : 14 ، 15 . يعني : فاحذروهم عن محبّتهم لأنّ محبّتهم ، يمنعكم عن محبّة اللّه ، وهو الحبيب وأنّهم العدوّ ، لأنّهم من توابع ما هو عدوّ بالأصالة وهو الهوى والطّاغوت .
وقال تعالى في موضع آخر في حقّ الّذين ستروا أنوار روحانيّتهم ومحبّة اللّه بظلمات صفات نفسانيّتهم من هوى النّفس وجحود الحقّ وإنكاره وحبّ الشّهوات :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ
- إلى قوله -
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
آل عمران : 14 .
يعني : ذلك متمتّعات أهل الدّنيا ، والّذين يأكلون الدّنيا ويتمتّعون بها كما تأكل الأنعام ويتمتّع بها فالنّار مثوى لهم ، ولخواصّ اللّه المقبولين عنده بقبول العناية ، المجذوبين لديه عن شهوات نفوسهم والطّبايع الحيوانيّة بجذبات الهداية الرّبّانيّة عنده حسن المآب ، لدوام ابتهاجهم بنور الحقّ ومشاهدة صفات جماله وجلاله ، ومن وكّل إلى محبّة اللّه وكان في الأزل أهلا لها فما وكّل إلى محبّة النّفس وهواها ، بل جذبته العناية الأزليّة ونظمته في سلك الكناية المذكورة في بشارة
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
فإنّها لا يتعلّق بغير اللّه ، لأنّها من عالم الوحدة فلا يقبل الشّركة ، كما قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ .
وممّا وقع في الفرس تفطّنا لهذا المعنى حيث قيل :
بلى سلطان معشوقان غيور است * ز شركت ملك معشوقيش دور است
نمىخواهد ز انجام وز آغاز * در اين منصب كسى را با خود انباز
وذلك لأنّ أولياء الشّيطان أحبّوا الأنداد بمحبّة فانية نفسانيّة ، وأحبّاء اللّه أحبّوه بمحبّة باقية ربّانيّة ، كما قيل شعرا :
قد طال إلى لقائكم أشواقي * والهجر وما أراق من آماقي
لو قطّعني الفراق إربا إربا * في المهجة حبّكم كما هو باق
بل أحبّوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية كما قيل :
الشّوق أكثر أن يختصّ جارحة * كلّي إليك على الحالات مشتاق
ولهذا احترزوا عن محبّة غير اللّه ، إذ لم يبق فيهم موضع محبّة الغير ، كيف ومحبّتهم تمنع عن محبّة اللّه ، وهو الحبيب الأوّل ، وأنّهم العدوّ ، فمن أحبّ اللّه يرى ما سواه بنظر العداوة ، كما كان حال الخليل عليه السّلام فقال :
فَإِنَّهُمْ