6 - لأنّ الإطعام والإيمان لا يجامعان الجوع والخوف ، فتكون « من » بدليّة ، أي أطعمهم بدل الجوع وآمنهم بدل الخوف ، نظير
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
التّوبة : 38 ، ومقتضاه كون ( أطعمهم ) بمعنى أشبعهم ، و ( امنهم ) بمعنى أعطاهم الأمن .
7 - لأنّ « عن » تقتضي حصول جوع قد زال بالإطعام وخوف قد زال بالإيمان و ( من ) تقضي المنع من لحاق الجوع والخوف ، والمعنى : أطعمهم فلم يلحقهم جوع ، وآمنهم فلم يلحقهم خوف ، فتكون ( من ) لابتداء الغاية . والمعنى : أطعمهم في بدء جوعهم قبل لحاقه إيّاهم ، وآمنهم في بدء خوفهم قبل لحاقه .
هذه وجوه دقيقة تعكس شدّة عنايتهم بالقرآن وبيان بلاغته ، وكلّها محتمل ، لكن السّياق يوافق البدل ، أو الابتداء ، فلاحظ .
ز - ما هو وجه ذكر « جوع وخوف » مع كفاية ( أطعمهم ) و ( امنهم ) في إفادة المقصود ؟ تعرّض له الفخر الرّازيّ ، وأجاب عنه بوجوه :
1 - التّنبيه على أنّ أمر الجوع شديد ، ومنه :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا
الشّورى : 28 ، ومثله يقال في « خوف » كما قال صلّى اللّه عليه وآله : « من أصبح آمنا في سربه . . . » .
2 - تذكيرهم الحالة الأولى الرّديئة المؤلمة ، حتّى يعرفوا قدر النّعمة .
3 - التّنبيه على أنّ خير الطّعام ما سدّ الجوع ، ولهذا لم يقل : « وأشبعهم » ، لأنّ الطّعام يزيل الجوع ، أمّا الإشباع فإنّه يورث البطنة . ولا يجري هذا الوجه في
آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .
هذه وجوه لطيفة لا بأس بها ، إلّا أنّ أصل السّؤال في غير محلّه ، لأنّ ذكر القيد توضيحا للمعنى شائع عند البلغاء ، والآية من هذا القبيل .