وتسجيلا للنّعمة ، وإكمالا للمنّة .
ب - ربط بين النّعمتين وبين الكعبة وربّها إعلاما بأنّهما من بركات هذا البيت ، ومن مواهب اللّه الّذي هو ربّ هذا البيت ، فعبّر به بدل « اللّه » تعريضا بهم ؛ حيث كانوا يعبدون الأصنام الّتي وضعوها في البيت ، دون ربّ البيت .
ج - قدّم على ذلك ( فليعبدوا ) كهدف وغاية للسّورة ، ينبغي رعايتها في الحياة اليوميّة والحياة الصيّفيّة والشّتويّة الّتي قدّمها في صدر السّورة
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ .
فعبادة ربّ البيت هي الشّكر الّذي تمنّاه إبراهيم في دعائه ، فكفاهم اللّه وحده ولم يشركه أحد في كفايتهم ، فليس من الشّكر إشراكهم غيره في عبادته ، ولا من البرّ بأبيهم إبراهيم عليه السّلام الّذي دعا اللّه لهم بالرّزق والبعد عن عبادة الأصنام :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
إبراهيم : 35 ، أن يعبدوا الأصنام .
د - التّنكير فيها للتّعظيم والتّهويل ، أو للتّعميم ، كما سبق في الاستعمال القرآنيّ من ( « أم ن » رابعا ) . . . أو - كما قال الزّمخشريّ : « لشدّتهما يعني أطعمهم بالرّحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما » فربط بين النّعمتين وبين الرّحلتين ، لكن كان للرّحلتين دخل في رفع الجوع فقط ، دون الخوف ، كما قال ابن عبّاس : « إنّهم كانوا في ضرّ ومجاعة حتّى جمعهم هاشم على الرّحلتين » .
وقيل : « للتّحقير والتّقليل ، أي إنّه تعالى لم يجوّز ابلاغهم في ذلك الجوع القليل والخوف القليل وهم مشركون ، فكيف يجوّز في كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم ؟ أو أطعمهم من جوع دون جوع ، ومن خوف دون خوف ، ليكون الثّاني منهما مذكّرا ما كانوا فيه أوّلا من أنواع الجوع والخوف ، وهذا يوافق التّنويع ، ولكلّ وجه ، والألصق بالسّياق التّشديد والتّعظيم ، لأنّه أدعى إلى التّوحيد .
ه - فرّع القمّيّ على الآية : « فلا يحتاجون أن يذهبوا إلى الشّام » أي استغنوا بذلك عن الرّحلتين ، وصدقه على عهدة التّاريخ لنعلم إلى متى استمرّت رحلتاهم .
و - جاء فيها ( من جوع ومن خوف ) دون « عن جوع وعن خوف » ، وذكروا له وجوها :
1 - لأنّه بمعنى « من بعد جوع » كما تقول : « كسوتك من عري » فتكون ( من ) لابتداء الغاية .
2 - لأنّ « عن » تفيد جعل الجوع بعيدا عنهم ، وهذا يقتضي كون التّبعيد مسبوقا بمقاساة الجوع زمانا ، ثمّ يصرفه عنه ، وليس مرادا ، بل أريد بها أنّهم عندما يجوعون يطعمون ، وحينما يخافون يؤمنون . وتفيده ( من ) قاله الفخر الرّازيّ .
3 - لأنّ معناه : من أجل جوع ومن أجل خوف ، فتكون ( من ) للتّعليل ، أي من أجل إزالة الجوع والخوف ، فلا بدّ من تقدير مضاف ، أو أنّ الجوع والخوف علّتان بنفسهما ، فلا تقدير .
4 - لأنّهما حالان ، أي أطعمهم جائعين ، وآمنهم خائفين .
5 - لأنّ مآل المعنى نجّاهم من الجوع بسبب الإطعام ومن الخوف بسبب الإيمان ، فكأنّ الفعلين أشربا معنى « نجا » .