مبين . وهو خبر في معنى النّهي . وقد قلنا مرارا : إنّ الجمع بين الأمر بشيء والنّهي عن ضدّه يكشف عن الاهتمام به ، مثل :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ . . .
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
النّحل : 90 .
2 - كرّر فيهما كلّ من الإجابة و ( داعى اللّه ) مرّتين وصفا له عليه السّلام ، مضافا إلى اللّه إضافة تخصيص تأكيدا أنّه جاء من قبل اللّه داعيا عباده إليه ، كما قال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
الأحزاب : 45 ، 46 .
3 - الآيتان في دعوة الجنّ لقومهم إلى قبول دعوة النّبيّ وكتابه ، والاهتداء به إلى الحقّ وصراط مستقيم فقبلهما :
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
الأحقاف : 30 ، ويستظهر منها أنّهم كانوا يهودا على دين موسى ، ولم تصلهم دعوة عيسى عليهما السّلام ، أو وصلتهم ولم يؤمنوا بها .
4 - وجاء في ( 13 و 14 ) السّؤال يوم القيامة عن إجابة النّاس للرّسل في الدّنيا ، بتفاوت بينهما من جهتين :
ألف : في ( 13 ) نداء من اللّه للنّاس :
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ؟
ولم يجيبوا لأنّ ما بعدها :
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ
وفي ( 14 ) سؤال منه عن الرّسل
فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ .
فجاء في الأولى خطابه للنّاس بلفظ ( يناديهم ) والنّداء صوت عال للبعيد إشعارا بأنّهم بعيدون عنه موقفا ، ولهذا لم يجيبوا النّداء خجلا أو صمّا .
أمّا في الثّانية فجاء بدل النّداء ( يقول ) لأنّ الرّسل قريبون منه تعالى فلا حاجة إلى النّداء ، فسمعوا السّؤال وأجابوا بأنّه لا علم لهم ، لأنّهم بعد موتهم خفي عليهم موقف قومهم من الإيمان بهم والطّاعة لهم ، أو الكفر بهم والعصيان لهم .
ب : جاءت الإجابة في ( 13 ) فعلا معلوما واضحا فاعلا ومفعولا
ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ،
وفي ( 14 ) فعلا مجهولا مبهما
ما ذا أَجَبْتُمُ
مناسقة للجهة الأولى .
وجاء في ( 15 ) قول الظّالمين يوم يأتيهم العذاب في الدّنيا :
رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ .
وفيها بحوث أيضا :
1 - إنّهم ظلموا أنفسهم برفض دعوة الرّسل ، وظلموا الدّعوة نفسها ، والرّسل أنفسهم ، فإنّ
الَّذِينَ ظَلَمُوا *
يشمل الجميع .
2 - وهذا دأب الكفّار المستكبرين جميعا ، فلا يؤمنون حتّى إذا جاءهم العذاب ندموا وآمنوا ، أو طلبوا المهلة ليؤمنوا ، كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ * فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
يونس : 96 - 98 ، و
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
يونس : 54 ، فصيغة الجمع في هذه
لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ،
وفي ( 15 )
الَّذِينَ ظَلَمُوا
دلّت على تعميم هذه الخصلة بين الأمم ، كما أنّها تعليق فيهما على الوصف ب « الظّلم » بيانا