أبو السّعود : أي بقراءة صلاتك بحيث تسمع المشركين ، فإنّ ذلك يحملهم على السّبّ واللّغو فيها ،
وَلا تُخافِتْ بِها
أي بقراءتها بحيث لا تسمع من خلفك من المؤمنين . [ إلى أن قال : ]
وقيل : المعنى لا تجهر بصلاتك كلّها ولا تخافت بها بأسرها ، وابتغ بين ذلك سبيلا بالمخافتة نهارا والجهر ليلا .
( 4 : 163 )
شبّر : جهرا شديدا تشغل به من يلي بقربك . . .
( 4 : 55 )
ابن عاشور : لا شكّ أنّ لهذه الجملة اتّصالا بجملة
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
يؤيّد ما تقدّم في وجه اتّصال قوله :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
بالآيات الّتي قبله ، فقد كان ذلك بسبب جهر النّبيّ في دعائه باسم الرّحمان .
والصّلاة : تحتمل الدّعاء ، وتحتمل العبادة المعروفة .
قد فسّرها السّلف هنا بالمعنيين . ومعلوم أنّ من فسّر الصّلاة بالعبادة المعروفة فإنّما أراد قراءتها خاصّة ، لأنّها الّتي توصف بالجهر والمخافتة .
وعلى كلا الاحتمالين فقد جهر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بذكر الرّحمان ، فقال فريق من المشركين : ما الرّحمان ؟ وقالوا :
إنّ محمّدا يدعو إلهين ، وقام فريق منهم يسبّ القرآن ومن جاء به ، أو يسبّ الرّحمان ظنّا أنّه ربّ آخر غير اللّه تعالى وغير آلهتهم ، فأمر اللّه رسوله أن لا يجهر بدعائه أو لا يجهر بقراءة صلاته في الصّلاة الجهريّة .
ولعلّ سفهاء المشركين توهّموا من صدع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالقراءة أو بالدّعاء أنّه يريد بذلك التّحكّك بهم والتّطاول عليهم بذكر اللّه تعالى ، مجرّدا عن ذكر آلهتهم فاغتاظوا وسبّوا ، فأمره اللّه تعالى بأن لا يجهر بصلاته هذا الجهر ، تجنّبا لما من شأنه أن يثير حفائظهم ويزيد تصلّبهم في كفرهم ، في حين أنّ المقصود تليين قلوبهم .
والمقصود من الكلام النّهي عن شدّة الجهر .
وأمّا قوله تعالى :
وَلا تُخافِتْ بِها
فالمقصود منه الاحتراس لكيلا يجعل دعاءه سرّا أو صلاته كلّها سرّا ، فلا يبلغ أسماع المتهيّئين للاهتداء به ، لأنّ المقصود من النّهي عن الجهر تجنّب جهر يتوهّم منه الكفّار تحكّكا أو تطاولا ، كما قلنا .
والجهر : قوّة صوت النّاطق بالكلام . والمخافتة « مفاعلة » : من خفت بكلامه ، إذا أسرّ به . وصيغة « المفاعلة » مستعملة في معنى الشّدّة ، أي لا تسرّها .
وقوله :
ذلِكَ
إشارة إلى المذكور ، أي الجهر والمخافتة المعلومين من فعلي ( تجهر - وتخافت ) أي اطلب سبيلا بين الأمرين ليحصل المقصود من إسماع النّاس القرآن ، وينتفي توهّم قصد التّطاول عليهم .
( 14 : 186 )
الطّباطبائيّ : الجهر والإخفات وصفان متضائفان ، يتّصف بهما الأصوات . وربّما يعتبر بينهما خصلة ثالثة ، هي بالنّسبة إلى الجهر إخفات وبالنّسبة إلى الإخفات جهر ، فيكون الجهر هو المبالغة في رفع الصّوت ، والإخفات هو المبالغة في خفضه ، وما بينهما هو الاعتدال ، فيكون معنى الآية : لا تبالغ في صلاتك في الجهر ولا في الإخفات ، بل اسلك فيما بينهما سبيلا ، وهو الاعتدال .