ومن تحت ، يقال : « لبّ الخبز ما بين جفنيه » تشبيها بجفني العين .
والجفنة : القصعة الكبيرة ، وهي أعظم القصاع ، لأنّها تحوي ما يطبخ فيها ، والجمع : جفان وجفن ، يقال :
جفن الجزور ، أي نحرها وطبخها واتّخذ منها طعاما ، وجعل لحمها في الجفان ، ودعا عليها النّاس حتّى أكلوها .
وهي أيضا الرّجل الكريم ، لأنّه يضعها ويطعم النّاس فيها ، فسمّي باسمها .
والجفن : ظلف النّفس عن الشّيء الدّنيء ، أي منعها عنه كما يمنع جفن العين ما يضرّها ، يقال : جفن الرّجل نفسه عن كذا جفنا ، أي ظلفها ومنعها .
والتّجفين : كثرة الجماع : قال أعرابيّ : أضواني دوام التّجفين ، وأجفن فلان : أكثر الجماع ، سمّي بذلك لأنّ الغطاء يحويه .
2 - وقال الخليل : « الجفن : ضرب من العنب ، ويقال : هو نفس الكرم بلغة اليمن » .
وتكلّم بعض في سبب تسميته بذلك ، فقال ابن فارس : « لأنّه يدور على ما يعلق به » ، وقال الرّاغب :
« تصوّرا أنّه وعاء العنب » .
وينبئ قول الخليل : « الكرم بلغة اليمن » بأنّه لغة غير مشهورة ، فليس من الصّواب أن يقحم في هذه المادّة ؛ لأنّها تشذّ عن الأصل ، كما يستشفّ من تعليلي ابن فارس والرّاغب .
والجفن بهذا المعنى أعرف في سائر اللّغات السّاميّة ، كالعبريّة والآراميّة والسّريانيّة والآثوريّة ، وينسب اللّغويّون بعض اللّغات أحيانا إلى أهل اليمن ، وهي في الأصل ساميّة غير عربيّة .
3 - كما ذكر أبو حنيفة الدّينوريّ لفظ « الجفن » اسما لبعض كبار الشّجر ودقاقها ، وصوابه « الكفن » ، وهو ضرب من الإبدال ، انظر مادّة « ج ف أ » .
4 - وممّا يجدر ذكره أنّ بين « ج ف ن » و « ك ف ن » اشتقاقا أكبر ؛ إذ الجفن والكفن بمعنى واحد ، وهو التّغطية ، فمن الثّاني : الكفن ، وهو ثوب الميّت ، وفي الحديث : « فأهدى له شاة وكفنها » أي ما يغطّيها من الرّغفان ، يقال : كفنت الخبزة في الملّة ، أي واريتها بها .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد اسما مجموعا ، في سورة مكّيّة :
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
سبأ : 13
ويلاحظ أنّ في الآية بحوثا :
1 - الجفان : جمع جفنة ، وكانت ممّا يعمله الجنّ لسليمان ، فإنّ ضمير الجمع في ( يعملون ) راجع إلى الجنّ في الآية السّابقة .
2 - إردافها بالمحاريب - وهي بيوت شريفة - والتّماثيل ، وكذلك تشبيهها ب ( الجواب ) وهي الحياض الكبار ، وب
قُدُورٍ راسِياتٍ
وهي القدور الكبار الرّاسية في مكانها ، كلّ ذلك دلّ على أنّ « الجفان » كانت صحافا كبارا جدّا يأكل منها جماعة ؛ وبذلك يبطل ما قيل :
من أنّها مطلق ما يوضع فيه الطّعام ، فلو كانت كذلك في أصل اللّغة ، ولكنّ المراد بها في الآية الكبار منها .