أبو السّعود :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً
بيان لكون الرّسل عليهم السّلام أسوة لسائر أفراد الجنس ، في أحكام الطّبيعة البشريّة ، إثر بيان كونهم أسوة في نفس البشريّة ، والجسد : جسم الإنسان والجنّ والملائكة .
ونصبه إمّا أنّه مفعول ثان « للجعل » لكن لا بمعنى جعله جسدا ، بعد أن لم يكن كذلك ، كما هو المشهور من معنى التّصيير ، بل بمعنى جعله كذلك ابتداء ، على طريقة قولهم : سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل ، كما مرّ في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
الإسراء : 12 .
وإمّا حال من الضّمير ، والجعل إبداعيّ ، وإفراده لإرادة الجنس المنتظم للكثير أيضا . ( 4 : 325 )
البروسويّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ]
قال في « التّأويلات النّجميّة » يشير إلى أنّ الأنبياء والأولياء خلقوا محتاجين إلى الطّعام بخلاف الملائكة ، وذلك لا يقدح في النّبوّة والولاية ، بل هو من لوازم أحوالهم وتوابع كمالهم ، فإنّ لهم فيه فوائد جمّة .
منها : أنّ الطّعام للرّوح الحيوانيّ الّذي هو مركب الرّوح الإنسانيّ كالدّهن للسّراج ، وهو منبع جميع الصّفات النّفسانيّة الشّهوانيّة ، وهو مركب الشّوق والمحبّة الّتي بها يقطع السّالك الصّادق مسالك البعاد ، ويعبر العاشق مهالك الفراق ، للوصول إلى كعبة الوصال .
ومنها : أنّ أكل الطّعام من نتائج الهوى وهو يميل النّفس إلى مشتهياتها ، والسّير إلى اللّه بحسب نهي النّفس عن الهوى ، كقوله تعالى :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
النّازعات : 40 ، 41 ، ولذا قال المشايخ : لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى اللّه .
ومنها : أنّ كثيرا من علم الأسماء الّتي علّم اللّه آدم ، منوط بأكل الطّعام ، مثل علم ذوق المذوقات ، وعلم التّلذّذ بالمشتهيات ، وعلم لذّة الشّهوة ، وعلم الجوع ، وعلم العطش ، وعلم الشّبع والرّيّ ، وعلم هضم الطّعام وثقله ، وعلم الصّحّة والمرض ، وعلم الدّاء والدّواء ، وأمثاله والعلوم الّتي تتعلّق به كعلوم الطّبّ بأجمعها ، والعلوم الّتي هي توابعها ، كمعرفة الأدوية والحشائش ، وخواصّها وطباعها وغيرها . . . ( 5 : 456 )
الآلوسيّ :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً
بيان لكون الرّسول عليه السّلام أسوة لسائر أفراد الجنس في أحكام الطّبيعة البشريّة . [ ونقل بعض أقوال اللّغويّين وقال : ]
وقيل : هو جسم ذو تركيب وظاهره أنّه أعمّ من الحيوان ، ومنهم [ من ] خصّه به . وقال بعضهم : هو في الأصل مصدر : جسد الدّم يجسد ، أي التصق . وأطلق على الجسم المركّب ، لأنّه ذو أجزاء ملتصق بعضها ببعض .
ثمّ الظّاهر أنّ الّذي يقول بتخصيصه بحيث لا يشمل غير العاقل من الحيوان مثلا ، غاية ما يدّعي أنّ ذلك بحسب أصل وضعه ، ولا يقول بعدم جواز تعميمه . [ إلى أن قال : ]
وفي « التّسهيل » أنّه يستغني بتثنية المضاف وجمعه عن تثنية المضاف إليه وجمعه في الأعلام ، وكذا ما ليس فيه لبس من أسماء الأجناس . ( 17 : 13 )
3 -
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ .
ص : 34