ووضع الظّاهر موضع المضمر للرّبط إنّما هو فصيح في مواضع التّفخيم والتّهويل ، وغير فصيح فيما سوى ذلك نحو : « زيد قام زيد » وينزّه القرآن عنه . قال سيبويه : لو قلت : « كان زيد منطلقا زيد » لم يكن ضدّ الكلام ، وكان هاهنا ضعيفا ، ولم يكن كقولك : « ما زيد منطلقا هو » لأنّك قد استغنيت عن إظهاره ، وإنّما ينبغي لك أن تضمره . [ وذكر احتماله الثّالث وقال : ]
وهو متكلّف ؛ إذ تصير الجملة من قوله المسؤول عنه جزاؤه على هذا التّقدير ، ليس فيه كثيرة فائدة ؛ إذ قد علم من قوله :
فَما جَزاؤُهُ
أنّ الشّيء المسؤول عنه جزاء سرقته ، فأيّ فائدة في نطقهم بذلك ؟ وكذلك القول في المثال الّذي مثّل به من قول المستفتى .
الرّابع : أن يكون ( جزاؤه ) مبتدأ ، أي جزاء سرقة الصّاع ، والخبر
مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ
أي أخذ من وجد في رحله ، وقولهم :
فَهُوَ جَزاؤُهُ
تقرير لحكم ، أي فأخذ السّارق نفسه هو جزاؤه لا غير ، كقولك : « حقّ زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه ، فذلك جزاؤه أو فهو حقّه » لتقرّر ما ذكرته من استحقاقه ، قاله الزّمخشريّ .
وقال معناه ابن عطيّة ، إلّا أنّه جعل القول الواحد قولين :
قال : « ويصحّ أن يكون ( من ) خبرا على أنّ المعنى جزاء السّارق ،
مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ
عائد على ( من ) ، ويكون قوله : ( فهو جزاؤه ) زيادة بيان وتأكيد » ، ثمّ قال : « ويحتمل أن يكون التّقدير : جزاؤه استرقاق من وجد في رحله ، ثمّ يؤكّد بقوله : ( فهو جزاؤه ) » .
وهذا القول هو الّذي قبله ، غير أنّه أبرز المضاف المحذوف في قوله : « استرقاق من وجد في رحله » وفيما قبله لا بدّ من تقديره ، لأنّ الذّات لا تكون خبرا عن المصدر ، فالتّقدير في القول قبله : جزاؤه أخذ من وجد في رحله أو استرقاق هذا ، لا بدّ منه على هذا الإعراب .
وهذا الوجه هو أحسن الوجوه ، وأبعدها من التّكلّف .
( كذلك ) أي مثل الجزاء وهو الاسترقاق
نَجْزِي الظَّالِمِينَ
أي بالسّرقة ، وهو ديننا وسنّتنا في أهل السّرقة . ( 5 : 330 )
ابن كثير :
قالُوا جَزاؤُهُ
إلخ وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السّلام ، أنّ السّارق يدفع إلى المسروق منه ، وهذا هو الّذي أراد يوسف عليه السّلام . ( 4 : 40 )
الشّربينيّ : ( فما جزاؤه ) السّارق . . . ( قالوا ) وثوقا منهم بالبراءة وإخبارا بالحكم عندهم
جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ ،
ولتحقّقهم البراءة علّقوا الحكم على مجرّد الوجدان لا السّرقة ، ثمّ أكّدوا ذلك بقولهم :
فَهُوَ جَزاؤُهُ .
( 2 : 125 )
أبو السّعود : ( قالوا ) أي أصحاب يوسف عليه السّلام :
فَما جَزاؤُهُ
الضّمير للصّواع على حذف المضاف ، أي فما جزاء سرقته عندكم وفي شريعتكم
إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ،
لا في دعوى البراءة عن السّرقة ، فإنّهم صادقون فيها بل فيما يستلزمه ذلك من نفي كون الصّواع فيهم ، كما يؤذن به قوله عزّ وجلّ :
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ
أي أخذ من وجد الصّواع في رحله .
حيث ذكر بعنوان الوجدان في الرّحل دون عنوان السّرقة ، وإن كان مستلزما لها في اعتقادهم المبنيّ على قواعد العادة ، ولذلك أجابوا بما أجابوا : فإنّ الأخذ والاسترقاق سنة ، إنّما هو جزاء السّارق دون من وجد في