الثّاني : هو أنّ ( ما ) غير راجع إلى الخصوص ، وإنّما هي للجنس ، تقديره : ولا تجزون إلّا جنس العمل ، أي إن كان حسنة فحسنة ، وإن كان سيّئة فسيّئة ، فتجزون ما تعملون من السّيّئة والحسنة ، وهذا نظير
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
الشّورى : 40 .
( 26 : 91 )
أبو السّعود : أي إلّا جزاء ما كنتم تعملونه في الدّنيا ، على الاستمرار من الفكر والمعاصي . على حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، للتّنبيه على قوّة التّلازم والارتباط ، كأنّهما شيء واحد .
أو إلّا بما كنتم تعملونه ، أي بمقابلته أو بسببه .
وتعميم الخطاب للمؤمنين يردّه أنّه تعالى يوفّيهم أجورهم ، ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة . وهذه حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب المعدّ لهم تحقيقا للحقّ وتقريعا لهم . ( 5 : 304 )
نحوه البروسويّ . ( 7 : 413 )
الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود ثمّ قال : ]
وقيل : لا تجزون إلّا نفس ما كنتم تعملونه ، بأن يظهر بصورة العذاب . وهذا حكاية عمّا يقال للكافرين حين يرون العذاب المعدّ لهم ، تحقيقا للحقّ وتقريعا لهم .
واستظهر أبو حيّان أنّ الخطاب يعمّ المؤمنين ، بأن يكون الكلام إخبارا من اللّه تعالى عمّا لأهل المحشر على العموم ، كما يشير إليه تنكير ( نفس ) واختاره السّكّاكيّ .
وقيل : عليه يأباه الحصر ، لأنّه تعالى يوفّي المؤمنين أجورهم ، ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة .
وردّ بأنّ المعنى أنّ الصّالح لا ينقص ثوابه والطّالح لا يزاد عقابه ، لأنّ الحكمة تأبى ما هو على صورة الظّلم ، أمّا زيادة الثّواب ونقص العقاب فليس كذلك . أو المراد بقوله :
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
إنّكم لا تجزون إلّا من جنس عملكم ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ .
( 23 : 34 )
الطّباطبائيّ :
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
عطف تفسير لقوله :
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
وهو في الحقيقة بيان برهانيّ لانتفاء الظّلم يومئذ ، لدلالته على أنّ جزاء أعمال العاملين يومئذ نفس أعمالهم ، ولا يتصوّر مع ذلك ظلم ، لأنّ الظّلم وضع الشّيء في غير موضعه :
وتحميل العامل عمله وضع الشّيء في موضعه ضرورة .
وخطاب الآية من باب تمثيل يوم القيامة ، وإحضاره وإحضار من فيه بحسب العناية الكلاميّة ، وليس - كما توهّم - حكاية عمّا سيقال لهم أن يخاطبون به ، من جانب اللّه سبحانه أو الملائكة أو المؤمنين يوم القيامة ، فلا موجب له من جهة السّياق .
والمخاطب بقوله :
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
السّعداء والأشقياء جميعا .
وما قيل : « عليه أنّ الحصر يأبى التّعميم ، فإنّه تعالى يوفّي المؤمنين أجورهم ، ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة » مدفوع بأنّ « الحصر » في الآية ناظر إلى جزاء العمل وأجره ، وما يدلّ من الآيات على المزيد ، كقوله :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
ق : 35 ، أمر وراء الجزاء ، والأجر خارج عن طور العمل .
وربّما أجيب عنه بأنّ معنى الآية : أنّ الصّالح لا ينقص ثوابه والطّالح لا يزاد عقابه ، فإنّ الحكمة تنافيه ، أمّا زيادة