فسقط الاستدلال .
وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأنّ « الجزاء » إنّما سمّي جزاء ، لأنّه يجزي ويكفي في المنع من النّهي ، وفي الحثّ على المأمور به . فإن ترتّب العقاب على مجرّد ترك الواجب ، كان ذلك العقاب كافيا في الزّجر عن ذلك التّرك ، فكان جزاء ، فثبت أنّه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء ، واللّه أعلم . ( 15 : 4 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 9 : 49 )
أبو حيّان : [ ذكر قول ابن عطيّة ثمّ قال : ]
والظّاهر أنّه استفهام بمعنى النّفي ، ولذلك دخلت ( إلّا ) ، والاستفهام الّذي هو بمعنى التّقرير هو موجب من حيث المعنى ، فيبعد دخول ( إلّا ) ولعلّه لا يجوز . ( 4 : 391 )
السّمين : [ نحو أبي حيّان ، ثمّ نقل قول الواحديّ وأضاف : ]
قلت : لأنّ نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه ، إنّما يجزون بمقابله ، وهو واضح . ( 3 : 343 )
المراغيّ : ( لا يجزون ) إلّا جزاء ما استمرّوا على عمله من الكفر والمعاصي ، فأثّر في نفوسهم وأرواحهم حتّى دسّاها وأفسدها . فقد مضت سننه تعالى بجعل الجزاء في الآخرة أثرا للعمل مرتّبا عليه كترتيب المسبّب على السّبب ، ولا يظلم ربّك أحدا في جزائه مثقال ذرّة .
( 9 : 67 )
الطّباطبائيّ : معنى الآية ظاهر ويتحصّل منها :
أوّلا : أنّ الجزاء هو نفس العمل وقد تقدّم توضيحه كرارا في أبحاثنا السّابقة .
وثانيا : أنّ الحبط من الجزاء ، فإنّ الجزاء بالعمل ، وإذا كان العمل حابطا فإحباطه هو الجزاء ، والحبط إنّما يتعلّق بالأعمال الّتي فيها جهة حسن ، فتكون نتيجة إحباط الحسنات ممّن له حسنات وسيّئات أن يجزى بسيّئاته جزاء سيّئا ويجزى بحسناته بإحباطها ، فيتمحّض له الجزاء السّيّء .
ويمكن أن تنزّل الآية على معنى آخر ، وهو أن يكون المراد بالجزاء : الجزاء الحسن ، وقوله :
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
كناية عن أنّهم لا يثابون بشيء ؛ إذ لا عمل من الأعمال الصّالحة عندهم لمكان الحبط ، قال تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
الفرقان : 23 ، والدّليل على كون المراد بالجزاء هو الثّواب أنّ هذا الجزاء هو جزاء الأعمال المذكورة في الآية قبلا ، والمراد بها بقرينة ذكر الحبط هي الأعمال الصّالحة .
ومن هنا يظهر فساد ما استدلّ بعضهم بالآية ، على أنّ تارك الواجب من غير أن يشتغل بضدّه لا عقاب له ، لأنّه لم يعمل عملا حتّى يعاقب عليه ، وقد قال تعالى :
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
وجه الفساد أنّ المراد بالجزاء في الآية الثّواب ، والمعنى أنّهم لا ثواب لهم في الآخرة ، لأنّهم لم يأتوا بحسنة ولم يعملوا عملا يثابون عليه .
على أنّ ثبوت العقاب على مجرّد ترك الأوامر الإلهيّة مع الغضّ عمّا يشتغل به من الأعمال المضادّة كالضّروريّ من كلامه تعالى ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
الجنّ : 23 ، إلى غير ذلك من الآيات . ( 8 : 247 )