كلّهم متساوين في مقادير الثّواب ، وعلى هذا يكون ( بالقسط ) منه تعالى . [ ثمّ نقل كلام الزّمخشريّ وقال : ]
فجعل القسط من فعل الّذين آمنوا ، وهو على طريقة الاعتزال . والظّاهر : أنّ
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا )
مبتدأ ، ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله :
( الَّذِينَ آمَنُوا )
فيكون الجزاء بالعدل قد شمل الفريقين . ( 5 : 124 )
أبو السّعود : [ نحو الزّمخشريّ وقال : ]
وهو الأنسب بقوله عزّ وجلّ :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
فإنّ معناه ويجزي الّذين كفروا بسبب كفرهم ، وتكرير الإسناد بجعل الجملة الظّرفيّة خبرا للموصول ، لتقوية الحكم ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ، للدّلالة على مواظبتهم على الكفر ، وتغيير النّظم للإيذان بكمال استحقاقهم للعقاب ، وأنّ التّعذيب بمعزل عن الانتظام في سلك العلّة الغائيّة للخلق بدء وإعادة ، وإنّما يحيق ذلك بالكفرة على موجب سوء اختيارهم ، وأمّا المقصود الأصليّ من ذلك فهو الإثابة . ( 3 : 211 )
نحوه الآلوسيّ . ( 11 : 67 )
البروسويّ :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
متعلّق ب ( يعيده ) أي يثيبهم ، بما يليق بلطفه وكرمه ، ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، بالقسط : متعلّق ب ( يجزى ) أي بالعدل ، فلا ينقص من ثواب محسن ولا يزيد على عقاب مسيء ، بل يجازي كلّا على قدر عمله ، كما قال :
جَزاءً وِفاقاً
النبأ : 26 . ( 4 : 11 )
نحوه مكارم الشّيرازيّ . ( 6 : 275 )
رشيد رضا :
لِيَجْزِيَ . . .
الآية ، هذا تعليل للإعادة ، أي يعيده لأجل جزائهم . والقسط : العدل ، وقال الرّاغب : النّصيب من العدل ، أي ليجزيهم بعدله .
وهو عبارة عن إعطاء كلّ عامل حقّه من الثّواب الّذي جعله اللّه لعمله ، بمعنى أنّه لا يظلم منه شيئا ، كما قال في سورة الأنبياء : 47
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً .
ولا يمنع ذلك أن يزيدهم ويضاعف لهم ، كما وعد في آيات أخرى منها ، قوله :
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
النّساء : 173 ، وقوله في هذه السّورة :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
يونس : 26 ، فالحسنى هي الجزاء بالقسط المضادّ للجور والظّلم ، والزّيادة فضل منه عزّ وجلّ . وسيأتي فيها أيضا قوله :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
يونس : 54 .
وقيل : إنّ المراد يجزيهم بما كانوا عليه من القيام بالقسط ، وهو الحقّ والعدل في الأمور كلّها ، الّذي هو مقتضى الإيمان في قوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
الحديد : 25 ، وقوله :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
الأعراف : 29 ، على أنّ القسط في الآيتين عامّ شامل لأمور الدّين كلّها .
وقيل : بل المراد منه الإيمان أو التّوحيد المقابل لظلم الشّرك ، في قوله تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
لقمان : 13 .
والمتبادر الموافق لسائر الآيات الصّريحة هو الأوّل ، ولا يصحّ إرادة الثّاني إلّا بالتّبع للأوّل ، أو الجمع بين