ما نهاهم عنه على أعمالهم الحسنة بالقسط ، يقول :
ليجزيهم على الحسن من أعمالهم الّتي عملوها في الدّنيا الحسن من الثّواب ، والصّالح من الجزاء في الآخرة ، وذلك هو القسط ، و ( القسط ) : العدل والإنصاف . ( 11 : 85 )
الطّوسيّ :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا . . .
فيه بيان أنّه إنّما يعيد الخلق ليعطيهم جزاء أعمالهم من طاعة ومعصية ، والعطاء إذا كان ابتداء لا يسمّى جزاء .
وقوله : ( بالقسط ) معناه بالعدل ، لأنّه لو زاد الجزاء أو نقص لخرج عن العدل ، ولكن يجزيهم وفق أعمالهم حتّى لا يكون الجزاء على النّبوّة كالجزاء على الإيمان ، بل كلّ طاعة يستحقّ الجزاء على قدرها . ( 5 : 388 )
نحوه الطّبرسيّ ( 3 : 91 ) ، وأبو الفتوح الرّازيّ ( 10 :
97 ) ، والخازن ( 3 : 143 ) .
الزّمخشريّ : ( بالقسط ) بالعدل ، وهو متعلّق ب ( يجزى ) . والمعنى ليريهم بقسطه ويوفّيهم أجورهم ، أو بقسطهم وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا ، حين آمنوا وعملوا صالحا ، لأنّ الشّرك ظلم ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
لقمان : 13 ، والعصاة ظلّام أنفسهم ، وهذا أوجه لمقابلة قوله :
بِما كانُوا يَكْفُرُونَ . *
( 2 : 225 )
نحوه ملخّصا ابن جزيّ ( 2 : 89 ) ، والكاشانيّ ( 2 :
394 ) ، وشبّر ( 3 : 136 ) .
ابن عطيّة : قوله : ( ليجزى ) هي لام « كي » والمعنى أنّ الإعادة إنّما هي ليقع الجزاء على الأعمال ، وقوله :
( بالقسط ) أي بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم .
( 3 : 105 )
أبو البركات : فإن قيل : كيف خصّ جزاء المؤمنين بالعدل ، وهو في جزاء الكافرين عادل أيضا ؟
فالجواب : أنّه لو جمع الفريقين في القسط ، لم يتبيّن في حال اجتماعهما ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشّرب من الحميم ، ففصلهم من المؤمنين ، ليبيّن ما يجزيهم به ، ممّا هو عدل أيضا « 1 » . ( ابن الجوزيّ 4 : 8 )
الفخر الرّازيّ :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا . . .
فاعلم أنّ المقصود منه إقامة الدّلالة على أنّه لا بدّ من حصول الحشر والنّشر ، حتّى يحصل الفرق بين المحسن والمسئ ، وحتّى يصل الثّواب إلى المطيع ، والعقاب إلى العاصي .
وقد سبق الاستقصاء في تقرير هذا الدّليل ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الكعبيّ : اللّام في قوله تعالى :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
يدلّ على أنّه تعالى خلق العباد للثّواب والرّحمة ، وأيضا فإنّه أدخل لام التّعليل على الثّواب . وأمّا العقاب فما أدخل فيه لام التّعليل ، بل قال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ
وذلك يدلّ على أنّه خلق الخلق للرّحمة لا للعذاب ؛ وذلك يدلّ على أنّه ما أراد منهم الكفر ، وما خلق فيهم الكفر ألبتّة .
والجواب : أنّ لام التّعليل في أفعال اللّه تعالى محال ، لأنّه تعالى لو فعل فعلا لعلّة لكانت تلك العلّة ، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة لزم التّسلسل ، وهو محال .
المسألة الثّانية : قال الكعبيّ أيضا : هذه الآية تدلّ على أنّه لا يجوز من اللّه تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنّة ، لأنّه لو حسن إيصال تلك النّعم إليهم من غير واسطة
هامش
( 1 ) لم نجده في « البيان » لأبي البركات .