لا يكسبنّكم شنآن قوم . وتأويل قائل هذا القول ، قول الشّاعر في البيت : جرمت فزارة : كسبت فزارة أن يغضبوا . قال : وسمعت العرب تقول : فلان جريمة أهله ، بمعنى : كاسبهم ، وخرج يجرمهم : يكسبهم .
وهذه الأقوال الّتي حكيناها عمّن حكيناها عنه ، متقاربة المعنى ؛ وذلك أنّ من حمل رجلا على بغض رجل ، فقد أكسبه بغضه ، ومن أكسبه بغضه ، فقد أحقّه له .
فإذ كان ذلك كذلك ، فالّذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف ، ما قاله ابن عبّاس وقتادة ، وذلك توجيههما معنى قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ *
ولا يحملنّكم شنآن قوم على العدوان .
واختلف القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامّة قرّاء الأمصار
( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) *
بفتح الياء ، من جرمته أجرمه ، وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفيّين ، وهو يحيى بن وثّاب والأعمش ، ما حدّثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : حدّثنا جرير ، عن الأعمش أنّه قرأ ( ولا يجرمنّكم ) مرتفعة الياء ، من أجرمته أجرمه ، وهو يجرمني .
والّذي هو أولى بالصّواب من القراءتين : قراءة من قرأ ذلك
( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) *
بفتح الياء ، لاستفاضة القراءة بذلك في قرّاء الأمصار ، وشذوذ ما خالفها ، وأنّها اللّغة المعروفة السّائرة في العرب ، وإن كان مسموعا من بعضها : أجرم يجرم على شذوذه . وقراءة القرآن بأفصح اللّغات أولى وأحقّ منها بغير ذلك . ( 6 : 63 )
نحوه البيضاويّ ( 1 : 261 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 269 ) ، والبروسويّ ( 2 : 339 ) .
الزّجّاج : المعنى لا يكسبنّكم بغض قوم ، أي بغضكم قوما الاعتداء بصدّهم إيّاكم عن المسجد الحرام ، يقال :
فلان جريمة أهله ، أي هو كاسبهم . وقيل في التّفسير :
لا يحملنّكم بغض قوم ، والمعنى واحد . وقال الأخفش :
لا يجنفنّكم بغض قوم ، وهذه ألفاظ مختلفة ، والمعنى واحد .
( 2 : 143 )
الطّوسيّ : [ نقل الأقوال المختلفة ثمّ قال : ]
وأمّا جرم : اكتسب الإثم ، قال اللّه تعالى :
إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
السّجدة : 22 ، وقال :
فَعَلَيَّ إِجْرامِي
هود : 35 ، ومعناه فعليّ عقوبة إجرامي أو إثم إجرامي . ومعنى
لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ *
لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانا ، ولا تفتنوه .
فمن فتح أن أوقع النّهي في اللّفظ على « الشّنآن » ، والمعنيّ بالنّهي المخاطبون ، كما قالوا : لا أريتك هاهنا ، ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون . ( 3 : 424 )
البغويّ : وقيل : لا يدعونّكم . ( 2 : 9 )
الزّمخشريّ : « جرم » يجري مجرى كسب في تعدّيه إلى مفعول واحد واثنين ، تقول : جرم ذنبا نحو كسبه ، وجرمته ذنبا نحو كسبته إيّاه ، ويقال : أجرمته ذنبا ، على نقل المتعدّي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم أكسبته ذنبا . وعليه قراءة عبد اللّه ( ولا يجرمنّكم ) بضمّ الياء ، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين ، والثّاني ( ان تعتدوا ) . . . والمعنى : ولا يكسبنّكم بغض قوم ، لأن صدّوكم الاعتداء ، ولا يحملنّكم عليه . ( 1 : 592 )
نحوه العكبريّ ( 1 : 416 ) ، والنّيسابوريّ ( 6 : 36 ) ، ورشيد رضا ( 6 : 119 ) .
ابن عطيّة : [ نقل الأقوال الماضية ثمّ قال : ]