( لا جرم ) مأخوذ من جرم على وزن « حرم » وهو قطف الثّمار من الأشجار ، كما نقل ذلك الرّاغب في « مفرداته » ثمّ توسّع هذا المعنى فشمل كلّ نوع من الكسب والتّحصيل ، ولكثرة استعمال الكلمة في الكسب غير المرغوب فيه شاعت في هذا المعنى ، ولذلك يطلق على الذّنب أنّه جرم .
ولكن حين تبدأ هذه الكلمة جملة وهي مسبوقة ب ( لا ) فيكون معناها حينئذ أنّه لا شيء يمكنه أن يمنع أو يقطع هذا الموضوع ، فهي قريبة من معنى لا بدّ أو من المسلّم به ، واللّه العالم ، فلاحظوا بدقّة . ( 6 : 471 )
وبهذا المعنى جاء
لا جَرَمَ . . .
في سورة النّحل آيات : 23 ، 62 ، 109 ، والمؤمن : 43 .
لا يجرمنّكم
. . . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى . . .
المائدة : 2
ابن عبّاس : ولا يحملنّكم . ( 88 )
مثله قتادة ( الطّبريّ 6 : 63 ) ، والكسائيّ والمبرّد ( الماورديّ 2 : 8 ) ، والميبديّ ( 3 : 11 ) ، وعبد المنعم الجمّال ( 1 : 672 ) .
الفرّاء : قرأها يحيى بن وثّاب والأعمش ( ولا يجرمنّكم ) من أجرمت ، وكلام العرب وقراءة القرّاء ( يجرمنّكم ) بفتح الياء . جاء التّفسير : ولا يحملنّكم بغض قوم ، وسمعت العرب تقول : فلان جريمة أهله ، يريدون :
كاسب لأهله ، وخرج يجرمهم : يكسب لهم ، والمعنى فيها متقارب لا يكسبنّكم بغض قوم أن تفعلوا شرّا ، ف ( ان ) في موضع نصب .
فإذا جعلت في ( ان ) « على » ذهبت إلى معنى لا يحملنّكم بغضهم على كذا وكذا ، على أن لا تعدلوا ، فيصلح طرح « على » كما تقول : حملتني أن أسأل ، وعلى أن أسأل . ( 1 : 299 )
أبو عبيدة : مجازه : ولا يحملنّكم ولا يعدينّكم . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 1 : 147 )
الأخفش : لا يجنفنّكم بغض قوم . ( الزّجّاج 2 : 143 )
الطّبريّ : أهل المعرفة باللّغة ، فإنّهم اختلفوا في تأويلها ، فقال بعض البصريّين : معنى قوله :
( ولا يجرمنّكم ) لا يحقّنّ لكم ، لأنّ قوله :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ
النّحل : 62 ، هو حقّ أنّ لهم النّار .
وقال بعض الكوفيّين : معناه لا يحملنّكم ، وقال :
يقال : جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا : أي حملني عليه . واحتجّ جميعهم ببيت الشّاعر :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
فتأوّل ذلك كلّ فريق منهم على المعنى الّذي تأوّله من القرآن ، فقال الّذين قالوا :
لا يَجْرِمَنَّكُمْ *
: لا يحقّنّ لكم . معنى قول الشّاعر : جرمت فزارة : أحقّت الطّعنة لفزارة الغضب .
وقال الّذين قالوا : معناه لا يحملنّكم ، معناه في البيت : جرمت فزارة أن يغضبوا : حملت فزارة على أن يغضبوا .
وقال آخر من الكوفيّين : معنى قوله : ( لا يجرمنّكم ) :