في نفوس فريق من المؤمنين - لاكلّ المؤمنين - من مشاعر الكراهية ، حين عدل بهم عن وجهتهم الّتي اتّجهوا إليها لاقتناص العير ، والاستيلاء على ما تحمل من مال ومتاع ، إلى حيث يلقون قريشا وجيشها الجرّار في ميدان القتال ، ولهذا كان منهم هذا الجدال الّذي تعلّلوا به للنّكوص عن لقاء العدوّ ، فقال قائلهم : ما خرجنا للقتال ، ولا أخذنا أهبتنا له ، ولا صحبنا إخواننا الّذين خلّفناهم وراءنا إليه .
والسّؤال هنا : كيف يجادلون في الحقّ بعد ما تبيّن لهم ؟ وكيف يكونون مؤمنين مع هذا ؟ وهل من شأن المؤمن أن يجادل في الحقّ إذا عرف وجهه ، واستبان له طريقه ؟
والجواب : أنّ الحقّ - وهو قتال المشركين - كان أمره ظاهرا لهم ، بعد أن أفلتت منهم العير ؛ إذ كان اللّه سبحانه قد وعدهم على لسان نبيّه الكريم بأنّهم سيظفرون بإحدى الطّائفتين ، إمّا العير ، وإمّا النّفير .
فلمّا أفلتت منهم العير ، لم يبق إلّا النّفير والحرب . فهذا حقّ مستيقن لهم ، لاخفاء فيه .
ولكن يقوم إلى هذا الحقّ ، تلك الرّغبة القويّة الّتي كانت مستولية على المؤمنين من قبل ، وهي الاستيلاء على العير ؛ وذلك شأن النّفس دائما حين يكون خيارها بين أمرين : أحدهما محبوب ، والآخر مكروه . فإنّها حينئذ لا تلتفت إلى غير المحبوب ، حتّى ليصبح المكروه عندها كأنّه غير مفترض أصلا ، فتنساه ، أو تتناساه .
فإذا فاجأها هذا المكروه الّذي أخرجته من حسابها وتقديرها ، كان وقعه شديدا عليها ، حتّى لكأنّه حدث طارئ لم تكن تتوقّعه . ومن هنا يكون إنكارها أو تنكّرها له . ( 5 : 568 )
طه الدّرّة : جملة
يُجادِلُونَكَ . . .
مستأنفة لا محلّ لها ، وجوّز اعتبارها حالا من كاف الخطاب ، أو من ضمير المستتر في
لَكارِهُونَ
والرّابط على الاعتبارين الضّمير فقط . ( 6 : 189 )
ليجادلوكم
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .
الأنعام : 121
راجع « ذ ك ر » و « ش ط ن »
تجادل
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
النّحل : 111
راجع « ن ف س »
تجادلك
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . . .
المجادلة : 1
عائشة : تبارك الّذي وسع سمعه كلّ شيء ، إنّي لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة ، ويخفى عليّ بعضه ، وهي تشتكي زوجها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي تقول : يا رسول اللّه ، أكل شبابي ونثرت له بطني ، حتّى إذا كبر سنّي ، وانقطع ولدي ، ظاهر منّي ، اللّهمّ إنّي أشكو إليك . قالت :