عن مذهبه بطريق الحجاج .
وقيل : هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه ، كما جاء في الحديث : « أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم » . ( 3 : 392 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ الدّعوة إلى المذهب والمقالة لا بدّ وأن تكون مبنيّة على حجّة وبيّنة ، والمقصود من ذكر الحجّة ، إمّا تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين ، وإمّا أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه .
أمّا القسم الأوّل : فينقسم أيضا إلى قسمين ، لأنّ الحجّة إمّا أن تكون حجّة حقيقيّة يقينيّة قطعيّة مبرأة عن احتمال النّقيض ، وإمّا أن لا تكون كذلك ، بل تكون حجّة تفيد الظّنّ الظّاهر والإقناع الكامل ، فظهر بهذا التّقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثّلاثة :
أوّلها : الحجّة القطعيّة المفيدة للعقائد اليقينيّة ، وذلك هو المسمّى بالحكمة ، وهذه أشرف الدّرجات وأعلى المقامات ، وهي الّتي قال اللّه في صفتها :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
البقرة : 269 .
وثانيها : الأمارات الظّنيّة والدّلائل الإقناعيّة ، وهي الموعظة الحسنة .
وثالثها : الدّلائل الّتي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم ، وذلك هو الجدل ، ثمّ هذا الجدل على قسمين :
القسم الأوّل : أن يكون دليلا مركّبا من مقدّمات مسلّمة في المشهور عند الجمهور ، أو من مقدّمات مسلّمة عند ذلك القائل ، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن .
والقسم الثّاني : أن يكون ذلك الدّليل مركّبا من مقدّمات باطلة فاسدة إلّا أنّ قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسّفاهة والشّغب ، والحيل الباطلة ، والطّرق الفاسدة . وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنّما اللّائق بهم هو القسم الأوّل ؛ وذلك هو المراد بقوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فثبت بما ذكرنا انحصار الدّلائل والحجج في هذه الأقسام الثّلاثة المذكورة في هذه الآية .
إذا عرفت هذا فنقول : أهل العلم ثلاث طوائف :
الكاملون الطّالبون للمعارف الحقيقيّة والعلوم اليقينيّة ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلّا بالدّلائل القطعيّة اليقينيّة وهي الحكمة .
والقسم الثّاني : الّذين تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقيّة والعلوم اليقينيّة ، والمكالمة اللّائقة بهؤلاء المجادلة الّتي تفيد الإفحام والإلزام . وهذان القسمان هما الطّرفان ؛ فالأوّل : هو طرف الكمال ، والثّاني : طرف النّقصان .
وأمّا القسم الثّالث : فهو الواسطة ، وهم الّذين ما بلغوا في الكمال إلى حدّ الحكماء المحقّقين ، وفي النّقصان والرّذالة إلى حدّ المشاغبين المخاصمين ، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصليّة والسّلامة الخلقيّة ، وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدّلائل اليقينيّة والمعارف الحكميّة ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلّا بالموعظة الحسنة ، وأدناها المجادلة . وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحقّقون ، وأوسطهم عامّة الخلق وهم أرباب السّلامة ،