تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّه تعالى لمّا قرّر أنّ القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدّين ، ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره ، فقال :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنّ الجدال نوعان : جدال في تقرير الحقّ ، وجدال في تقرير الباطل . أمّا الجدال في تقرير الحقّ ، فهو حرفة الأنبياء عليهم السّلام ، قال تعالى لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
النّحل : 125 ، وقال حكاية عن الكفّار أنّهم قالوا لنوح عليه السّلام :
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
هود : 32 . وأمّا الجدال في تقرير الباطل ، فهو مذموم ، وهو المراد بهذه الآية ؛ حيث قال :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ،
وقال :
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
الزّخرف : 58 ، وقال :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
المؤمن : 5 ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ جدالا في القرآن كفر » . فقوله : إنّ « جدالا » على لفظ التّنكير يدلّ على التّمييز بين جدال وجدال ، واعلم أنّ لفظ الجدال في الشّيء : مشعر بالجدال الباطل ، ولفظ الجدال عن الشّيء : مشعر بالجدال لأجل تقريره والذّبّ عنه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ جدالا في القرآن كفر » ، وقال : « لا تماروا في القرآن فإنّ المراء فيه كفر » . المسألة الثّانية : الجدال في آيات اللّه ، هو أن يقال مرّة : إنّه سحر ومرّة إنّه شعر ومرّة إنّه قول الكهنة ومرّة أساطير الأوّلين ومرّة إنّما يعلّمه بشر ، وأشباه هذا ممّا كانوا يقولونه من الشّبهات الباطلة ، فذكر تعالى أنّه لا يفعل هذا إلّا الّذين كفروا وأعرضوا عن الحقّ . ( 27 : 29 ) نحوه النّيسابوريّ ( 24 : 26 ) ، وأبو حيّان ( 7 : 449 ) . ابن كثير : يقول تعالى : ما يدفع الحقّ ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان
إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .
( 6 : 123 ) الشّربينيّ : أي يخاصم ويماري أي يفتل الأمور إلى مراده
فِي آياتِ اللَّهِ
أي في إبطال أنوار الملك الأعظم ، المحيط بصفات الكمال ، الدّالّ كالشّمس على أنّه تعالى إليه المصير ، بأن يغشّ نفسه بالشّكّ في ذلك
إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .
( 3 : 268 ) أبو السّعود : أي بالطّعن فيها ، واستعمال المقدّمات الباطلة لإدحاض الحقّ ، كقوله تعالى :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ .
( 5 : 407 ) نحوه شبّر . ( 5 : 332 ) الكاشانيّ :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ
بالطّعن فيها وإدحاض الحقّ ،
إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .
في « الإكمال » عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لعن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا ومن جادل في آيات اللّه فقد كفر » ثمّ تلا هذه الآية . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « أنّ جدالا في القرآن كفر » . وإنّما نكّر لجواز الجدال ، لحلّ عقده واستنباط حقائقه ، وقطع تشبّث أهل الزّيغ به ، وردّ مطاعنهم فيه . ( 4 : 334 ) البروسويّ : الجدال : المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ، وأصله من جدلت الحبل : أحكمت فتله ، فكأنّ