استهدفته الآيات . وفي السّور السّابقة آيات وعبارات انطوى فيها ذلك ممّا يصحّ أن يعدّ من المبادئ القرآنيّة المحكمة .
ويلفت النّظر إلى ما بين هذه المقدّمة وبين آيات السّورة السّابقة الأخيرة من تساوق تأكيديّ في صدد غفران الذّنوب وقبول التّوبة ، وتقرير كون كلمة العذاب إنّما حقّت على الكافرين المكابرين ، الكاذبين على اللّه المكذّبين بآياته ، ممّا يمكن أن يكون قرينة مّا على صحّة ترتيب نزول هذه السّورة بعد سورة الزّمر . ( 5 : 104 )
الطّباطبائيّ : لمّا ذكر تنزيل الكتاب وأشار إلى الحجّة الباهرة على حقّيّته ، المستفادة من صفاته الكريمة المعدودة في الآيتين ، الدّالّة على أنّه منزّل بعلمه الّذي لا يشوبه جهل ، وبالحقّ الّذي لا يدحضه باطل ، تعرّض لحال الّذين قابلوا حججه الحقّة بباطل جدالهم ، فلوّح إلى أنّ هؤلاء أهل العقاب وليسوا بفائتين ولا مغفولا عنهم ، فإنّهم كما نزّل الكتاب ليغفر الذّنب ويقبل التّوب ، كذلك نزّله ليعاقب أهل العقاب فلا يسوؤنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جدالهم ولا يغرّنّه ما يشاهده من حالهم .
فقوله :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ
لم يقل : ما يجادل فيه ، أي في القرآن ، ليدلّ على أنّ الجدال في الحقّ الّذي تدلّ عليه الآيات بما هي آيات ، على أنّ طرف جدالهم هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو داع إلى الحقّ تدلّ عليه الآيات ، فجدالهم لدفع الحقّ لا للدّفاع عن الحقّ ؛ على أنّ الجدال في الآية التّالية مقيّدة بالباطل لإدحاض الحقّ .
فالمراد بالمجادلة في آيات اللّه هي المجادلة لإدحاضها ودفعها وهي المذمومة ، ولا تشمل الجدال لإثبات الحقّ والدّفاع عنه ، كيف ؟ وهو سبحانه يأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك إذا كان جدالا بالّتي هي أحسن ، قال تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
النّحل : 125 . ( 17 : 305 )
مكارم الشّيرازيّ : « يجادل » مشتقّة من « جدل » وهي في الأصل تعني لفّ الحبل وإحكامه ، ثمّ عمّ استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه ، ولهذا فإنّ كلمة « مجادلة » تطلق على الّذين يقفون في قبال أحدهم الآخر ؛ إذ يريد كلّ شخص أن يلقي حجّته ، ويثبت كلامه ، ويغلب خصمه .
ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ كلمة « المجادلة » لا تعتبر مذمومة دائما من وجهة اللّغة العربيّة ، بل إنّها تعتبر إيجابيّة ومطلوبة إذا كانت المجادلة في طريق الحقّ ، وتستند على المنطق وتهدف إلى تبيين الحقائق وإرشاد الأشخاص الجهلة ، أمّا إذا كانت على أسس واهية من أسباب التّعصّب والجهل والغرور ، وتستهدف خداع هذا وذاك ، فتكون عند ذلك مذمومة .
القرآن الكريم استخدم كلمة « المجادلة » في كلا مورديها ، إذ نقرأ في الآية : « 125 » من سورة النّحل قوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .
إلّا أنّه في موارد أخرى ، كما في الآية أعلاه وفيما بعدها ، فقد وردت « المجادلة » بمعنى الذّمّ . . .
المجادلة في القرآن الكريم :
لقد وردت كلمة « المجادلة » خمس مرّات في هذه السّورة المباركة ، وهي جميعا تختصّ بالمجادلة السّلبيّة الباطلة ، والآيات الّتي اشتملت على ذكر المجادلة هي « 4 ، 5 ، 35 ، 56 ، 69 » وبهذه المناسبة لا بأس بالتّعرّض