المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه .
والمعنى ما يخاصم في آيات اللّه بالطّعن فيها ، بأن يقول في حقّها سحرا وشعرا وأساطير الأوّلين أو نحو ذلك ، وباستعمال المقدّمات الباطلة لإدحاضه وإزالته وإبطاله ، لقوله تعالى :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
فحمل المطلق على المقيّد ، وأريد الجدال بالباطل
إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
بها ، وأمّا الّذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شبهة منها فضلا عن الطّعن فيها .
وأمّا الجدال فيها لحلّ مشكلاتها واستنباط حقائقها وإبطال شبه أهل الزّيغ والضّلال ، فمن أعظم الطّاعات كجهاد في سبيل اللّه ، ولذلك قال عليه السّلام : « إنّ جدالا في القرآن كفر » بتنكير « جدالا » الدّالّ على التّنويع للفرق بين جدال وجدال .
وممّا حرّره حضرة شيخي وسندي في مجموعة من مجموعات هذا الفقير في ذيل هذه الآية ، قوله : فكفّار الشّريعة يجادلون في آيات القرآن الرّسميّ ، فيكون جدالهم رسميّا ، لكونه في الآيات الرّسميّة ، فهم كفّار الرّسوم كما أنّهم كفّار الحقائق . وكفّار الحقيقة يجادلون في آيات القرآن الحقيقيّ ، فيكون جدالهم حقيقيّا ، لكونه في الآيات الحقيقيّة فهم كفّار الحقائق فقط لاكفّار الرّسوم .
فعليك يا ولدي الحقّيّ - سمّي الذّبيح - بترك الكفر والجدال مطلقا حتّى تكون عند اللّه وعند النّاس مؤمنا حقّا ومسلما صدقا . ( 8 : 153 )
الآلوسيّ : [ نحو ما تقدّم عن الزّمخشريّ وأضاف : ]
والتّحقيق كما في « الكشف » أنّ المجادلة في الشّيء تقتضي أن يكون ذلك الشّيء إمّا مشكوكا عند المجادلين أو أحدهما أو منكرا كذلك ، وأيّامّا كان فهو مذموم ، اللّهمّ إلّا إذا كان من موحّد لخارج عن الملّة أو من محقّق لزائغ إلى البدعة ، فهو محمود بالنّسبة إلى أحد الطّرفين .
وأمّا ما قيل : إنّ البحث فيها لإيضاح الملتبس ونحوه جدال عنها لا فيها ، فإنّ الجدال يتعدّى ب « عن » إذا كان للمنع والذّبّ عن الشّيء ، وب « في » لخلافه كما ذكره الامام ، وب « الباء » أيضا ، كما في قوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
النّحل : 125 ، ففيه بحث .
وفي قوله تعالى :
فِي آياتِ اللَّهِ
دون « فيه » بالضّمير العائد إلى الكتاب ، دلالة على أنّ كلّ آية منه يكفي كفر المجادلة ، فكيف بمن ينكره كلّه ويقول فيه ما يقول ! وفيه أنّ كلّ آية منه آية أنّه من اللّه تعالى الموصوف بتلك الصّفات ، فيدلّ على شدّة شكيمة المجادل في الكفر ، وأنّه جادل في الواضح الّذي لاخفاء به ، وممّا ذكر يظهر اتّصال هذه الآية بما قبلها ، وارتباط قوله :
فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ
بها . ( 24 : 43 )
عزّة دروزة : وجملة
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
في الآية الرّابعة تضمّنت تقرير كون الّذين يجادلون في آيات اللّه وينكرونها هم الّذين تعمّدوا العناد ، وبيّتوا الكفر والمكابرة فقط ؛ حيث انطوى في ذلك معنى محكم يصحّ أن يزال على ضوئه إشكال ما يرد مطلقا في آيات أخرى ، وانطوى فيه تبعا لذلك تحميل الكافرين مسؤوليّة موقفهم الّذي يقفونه عن عمد وباطل .
وقد انطوى في هذا وذاك في الوقت نفسه تسلية وتطمين للنّبيّ عليه السّلام ، وتعنيف قارع للكفّار ، وكلّ هذا ممّا