ابن الحارث الّذي كان من المشركين المعاندين ، وكان يصرّ على القول بأنّ الملائكة بنات اللّه ، وأنّ القرآن مجموعة من أساطير السّلف تنسب إلى اللّه ، كما كان ينكر الحياة بعد الموت .
والبعض الآخر من المفسّرين يعتقد أنّ هذه الآية إشارة إلى جميع المشركين الّذين يجادلون في التّوحيد وفي قدرة اللّه .
إلّا أنّ سبب النّزول لا يمكنه أن يضيّق مفهوم هذه الآية ، فهذان القولان يصبّان في معنى واحد ، يشمل جميع الّذين يشتركون في جدال مع اللّه تعالى ، إمّا عن تقليد أعمى ، وإمّا عن عصبيّة ، أو لاتّباع الخرافات أو الأهواء النّفسيّة .
ملاحظات :
1 - الجدال أمام الحقّ والباطل
رغم أنّ كلمة « المجادلة » تعني في عرف النّاس البحث غير المنطقيّ ، فإنّ أصلها اللّغويّ ليس كذلك بل تعني أيّ نقاش كان ، لهذا نرى القرآن يوصي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
النّحل : 125 ، أي جادل مخالفيك بأفضل أسلوب .
2 - جدال الباطل سبيل الشّيطان
يرى بعض كبار المفسّرين أنّ عبارة
يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
إشارة إلى جدال المشركين الّذي يفتقد السّند والدّليل ، وعبارة
وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
إشارة إلى برامج المشركين الخاطئة .
ويرى آخرون أنّ العبارة الأولى تشير إلى اعتقاداتهم الفاسدة والخرافيّة . أمّا العبارة الثّانية فتشير إلى برامجهم الخاطئة والمنحرفة .
وبما أنّ الآية الّتي تسبق والّتي تلي هذه الآية ، تناولتا الأسس الاعتقاديّة ، فلا يستبعد أنّهما تشيران إلى حقيقة واحدة ، أو بتعبير آخر : تتضمّنان طرفي موضوع واحد - نفيه واثباته - فالعبارة الأولى تقول :
يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي يجادل في اللّه وقدرته تقليدا لأحد ، أو عصبيّة ، أو هوى نفس . والعبارة الثّانية تشير إلى أنّ هذا المشرك لا يتّبع العلم والمعرفة ، إذن فمن الطّبيعيّ أنّه يتّبع كلّ شيطان طاغ عنيد . ( 10 : 249 )
3 -
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ .
الحجّ : 8
ابن عبّاس : يخاصم في دين اللّه وكتابه . ( 277 )
إنّه أبو جهل بن هشام . ( الزّمخشريّ 3 : 6 )
مثله القمّيّ . ( 2 : 79 )
نحوه البروسويّ . ( 6 : 9 )
الطّبريّ : ومن النّاس من يخاصم في توحيد اللّه وإفراده بالألوهة بغير علم منه بما يخاصم به . [ إلى أن قال : ]
وذكر أنّه عني بهذه الآية والّتي بعدها النّضر بن الحارث ، من بني عبد الدّار . ( 17 : 120 )
أبو مسلم : الآية الأولى [ الحجّ : 3 ] واردة في الأتباع المقلّدين ، وهذه الآية واردة في المتبوعين المقلّدين ، فإنّ كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعا والآخر متبوعا . ( الفخر الرّازيّ 23 : 11 )
نحوه ابن كثير ( 4 : 618 ) ، وأبو السّعود ( 4 : 370 ) .