على ما أراد . وهذا مبنيّ على كونه من الإجبار ، وليس كذلك مع أنّه لا يتماشى مع حكمته الكاملة الّتي وصف بها مع ( الجبّار ) في هذه الآية ، لاحظ « ح ك م :
الحكيم » .
سادسا : قلنا إنّ ( جبّار ) في غير ( 1 ) جاء ذمّا منفردا وجمعا ونفيا وإثباتا . ولهذا جاء في ( 2 و 3 ) ( جبّار عنيد ) وفي ( 4 ) ( متكبّر جبّار ) وفي ( 5 ) خطابا للنّبيّ عليه السّلام :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
وفي ( 6 ) وصفا ل ( يحيى ) :
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ،
وفي ( 7 ) وصفا ل ( عيسى ) :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ،
وفي ( 8 ) نقلا ممّن أراد موسى أن يبطش به إدانة لموسى :
إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ،
وفي ( 9 ) نقلا عن بني إسرائيل بشأن الأرض المقدّسة :
يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ،
وفي ( 10 ) بشأن قوم عاد :
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ .
فجاء ( جبّارا ) فيها مقارنا بأوصاف مذمومة مثل :
عنيد ، متكبّر ، عصيّ ، شقيّ ، غير مصلح ، بطش ونحوها .
سابعا : جاء ( جبّار ) عقيب ( كلّ ) في ( 2 و 3 و 4 ) تشديدا مبالغة في ذمّه :
كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ *
و
كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ .
ثامنا : جاء ( جبّار ) مرّة واحدة في ( 1 ) مرفوعا ، وصفا للّه ترفيعا لشأنه ، ومناسقا لتعريفه ب ( أل ) ، وفي ( 2 - 5 ) أربع مرّات مجرورا ، تخفيفا لشأنه ، والمجموع خمس ، وفي الباقي منصوبا خمس مرّات : ثلاث منها إفرادا ونفيا ، واثنتان جمعا وإثباتا ، وليس بينها مرفوع .
تاسعا : الآيات أكثرها مكّيّة متناسقة مع جوّ مكّة ، الملئ بالشّرك والشّقاق ، واثنتان مدنيّة : إحداهما ( 1 ) وصف اللّه تعالى في سياق صفاته العليا وأسمائه الحسنى ، وثانيتها ( 9 ) في قصّة بني إسرائيل المليئة بالكفر والنّفاق ، وأكثرها جاءت في سورة البقرة المدنيّة خطابا لليهود القاطنين بها .
عاشرا : - وتلك عشرة كاملة - : هذه الآيات من سورة الحشر تليق بأن تجعل أصلا لبيان صفاته وتفسيرها ، كما أنّها الأساس والقاعدة لها في نفس الأمر . وقد تقدّم في ( المؤمن ) أنّ ما يتبادر منه القهر والظّلم في صفاته مثل ( الملك ، والجبّار ، والمتكبّر ) قد انجبر بأوصاف
الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ
كما انجبر بوصف ( الحكيم ) .
وهذه هي معيار صفاته العليا وأسمائه الحسنى ، كما أنّها معيار التّوحيد ، ولهذا جاء خلال تلك الصّفات في ( 1 ) :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
إعلاما بأنّ إنكارها شرك ، وأنّ من لا يعتقد ولا يعترف باختصاص هذه الأوصاف باللّه تعالى فهو مشرك . وقد بدأ بها في ثلاثة مقاطع بما يفيد الحصر في توحيده :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ *
مرّتين ، و ( هو اللّه ) مرّة .