عابدات سائحات ، تعريض لأزواجه بأنّهنّ عاريات عنها أو عن بعضها ، وهذا تعنيف آخر أشدّ ممّا قبله .
6 - إضافة ( ابكار ) تعنيف آخر بأنّه سوف لا يكتفي بالثّيّبات أمثالهنّ ، بل يتجاوز إلى الأبكار ، لا بكر واحدة ، وتزوّج الرّجل بكرا أشدّ بأسا وأصعب تحمّلا على أزواجه من تزوّجه ثيّبا .
7 - إضافة إلى ما ذكر ، فقد أسند اللّه إبداله أزواجا غيرهنّ إلى نفسه بوصفه ربّا له عليه السّلام ، دلالة على مزيد عنايته به ، فكأنّ اللّه هو الّذي يتصدّى لتزويجهنّ ، وفيه فضل كبير لهنّ على أزواجه . فقد جاء في شأن واحدة منهنّ - وهي زينب بنت جهش -
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
الأحزاب : 37 ، وكانت تفتخر به على غيرها من نساء النّبيّ عليه السّلام .
ثانيا : علاوة على التّنديد بهنّ والتّلويح لهنّ بالطّلاق في هذه الآية ، فقد جاء في سورة الأحزاب ( 26 - 34 ) إنذار وتهديد لهنّ بالطّلاق أيضا مع تبشير للصّالحات منهنّ ، ابتداء بقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ،
وفيها تهديد لهنّ بالطّلاق أيضا . وللكلام حول أزواج النّبيّ عليه السّلام محلّ آخر ، لاحظ « زوج » . و « أم م » ( امّهاتهم ) .
ثالثا : بدأ تهديدهنّ في أوّل سورة التّحريم
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ،
لأنّه عليه السّلام عزم على تحريم النّساء غضبا لهنّ ، وبه سمّيت السّورة ب « التّحريم » ، وهي تقع في القرآن عقيب سورة الطّلاق الحاوية لأحكام الطّلاق على العموم ، فبينهما مناسبة وثيقة واتّصال أنيق .
رابعا : جاءت ( ابكارا ) جمع بكر بشأن النّساء مرّتين : مرّة في نساء النّبيّ في الدّنيا ضمن هذه الآية ، وأخرى في نساء أهل الجنّة لأصحاب اليمين
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْراباً * لِأَصْحابِ الْيَمِينِ
الواقعة : ( 35 - 38 ) ، علما بأنّ القرآن يصفهنّ ب
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ *
مرّتين في سورة الرّحمن : 56 و 74 ، فقد وزّعت ( ابكار ) بين الدّنيا والآخرة بالتّساوي ، في الدّنيا بشأن نساء عسى أن يتزّوجهنّ النّبيّ ، وفي الآخرة بشأن نساء أصحاب اليمين ، فهي كلمة مباركة في القرآن ؛ حيث اختصّت بالنّبيّ وبأصحاب اليمين .
خامسا : لا ريب أنّ ذكر ( الثّيّبات ) هنا مدح لهنّ ، كما صرّح به الفخر الرّازيّ ، ولكن ما وجه تقديمهنّ على « الأبكار » مع أنّهنّ أفضل من الثّيّبات عند النّاس ، والرّغبة فيهنّ أكثر وألذّ ؟
فقيل : إنّ الثّيّبات أولى بشأن النّبيّ ! ولا يعلم وجهه ، وكأنّ القائل به نظر إلى تقدّم سنّ النّبيّ حينذاك ، فلم يكن كفوا لهنّ ، أو لاحظ سيرته في تزوّج الثّيّبات .
ولا دخل لهذين الوجهين في تقديم الثّيّبات كما لا يخفى ، كما أنّه لا دخل للرّويّ فيه ، لأنّ رويّ الآيات قبلها « فعيل » وبعدها « يفعلون » .
نعم ، ( ابكارا ) هنا تذكّر وتتداعى منها ( ابكارا ) في « الواقعة » بوحدة الرّويّ فيهما :
فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ،
فيرتفع به شأنهنّ ، وأنّهنّ سوف يكنّ أبكارا كنساء أهل الجنّة ، موصوفات بصفات كادت أن تجعلهنّ « حورا