وبدأت قصّة عاد وثمود فيها بعد قصّة نوح ، وكرّر اسمهما بعد اسم نوح في ( 4 ) و ( 5 ) و ( 6 ) و ( 7 ) و ( 10 ) و ( 11 ) و ( 12 ) . وكذا جاءت في الآية ( 13 ) من العنكبوت ، إلّا أنّها تخلّلت بين قصّتيهما وقصّه نوح قصص إبراهيم ولوط بتفصيل ، وقصّة شعيب بإيجاز . مع أنّ قصّة نوح جاءت فيها موجزة أيضا في آيتين : ( 14 ) و ( 15 ) .
أمّا في الذّاريات ( 46 ) فقد جاءت قصّة نوح بعد قصّة عاد وثمود على النّحو التّالي :
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ،
وكذا في النّجم ( 52 ) :
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى .
وجاءتا معا في الحاقّة والفجر وفصّلت ، وجاء « ثمود » في البروج والشّمس دون نوح ، حسب ما يقتضيه المقام .
الرّابع عشر : جاءت قصص إبراهيم ولوط وشعيب معا في الأعراف وهود ، وانفردت قصّة هود عنهما في الشّعراء كلّها بعد قصّتي عاد وثمود . أمّا في العنكبوت فقد جاءت قصّتا إبراهيم ولوط مفصّلة بعد قصّة نوح ، وجاءت عقيبها قصّة شعيب وعاد وثمود في ثلاث آيات موجزة .
وظهر من ذلك كلّه أنّ القرآن ركّز في إرداف قصص الأنبياء حسب التّاريخ ، إلّا فيما استثني لنكتة ، وأنّ عادا وثمودا كانا في الفترة بين نوح وإبراهيم عليهما السّلام .
الخامس عشر : تقدّم في النّصوص عن الطّباطبائيّ أنّ أهل الكتاب لم يعرفوا خبر عاد وثمود ، ولم يرد ذكرهما في التّوراة ، ثمّ قال : « لكن في القرآن ما يدلّ على أنّ موسى أخبر عنهما :
وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ . . .
إبراهيم :
8 ، 9 » . فاستظهر أنّ هذا من كلام موسى مع قومه ، ولكن لم يضبط خبرهما ، وإن كان مشهورا في زمن موسى . وقد قطع في ذيل هذه الآية ( ج 12 : 23 ) أنّه من كلام موسى ، فقال : « يذكّر قومه من أيّام اللّه في الأمم الماضين ممّن فنيت أشخاصهم ، وخمدت أنفاسهم ، وعفت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم . . . » .
واحتمل الطّبرسيّ ( 3 : 305 ) أنّه من كلام موسى ، أو خطاب من اللّه إلى نبيّنا عليه السّلام . وقد حكى الفخر الرّازيّ ( 19 : 88 ) الوجهين عن أبي مسلم الأصفهانيّ ، ثمّ قال :
« إلّا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنّه ابتداء مخاطبة لقوم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم » .
وهذا هو المتعيّن عندنا ، لأنّ موسى لم يكن يخاطب قومه بهذا التّفصيل عن عاد وثمود ومن تلاهما من الأمم البائدة من غير نسل إبراهيم ، وإلّا لكان لهم ذكر في التّوراة ، وليس فيها إلّا الأقوام المعاصرون لبني إسرائيل الّذين كانوا يقطنون في فلسطين ونواحيها . بل هذا الأسلوب مماثل لأساليب الآيات المكّيّة خطابا للمشركين ، فلاحظ .
السّادس عشر : جاء في ( 14 ) :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ،
فاستظهروا منها أنّ عادا عادان : الأولى والأخيرة . قال الطّبرسيّ ( 5 : 183 ) : « وهو عاد بن إرم ، وهم قوم هود ، أهلكهم اللّه بريح صرصر عاتية ، وكان لهم عقب ، فكانوا عاد الأخرى » . وقال