تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
الّذي لا يدانى ، وهذا يخصّ التّشريع . وفي ( 2 ) إشارة إلى مظهر من مظاهر قدرة اللّه في خلاص موسى وقومه من فرعون وقومه بشقّ البحر ، وإنجاء الأوّلين ، ثمّ إهلاك الآخرين . وفي ( 3 ) إشارة إلى ذلك النّعيم العظيم في الجنّة للأبرار ، وهذا خاصّ بالآخرة . وفي ( 4 ) إشارة إلى مقام القرب الرّبوبيّ ، صاحب العرش العظيم الّذي وكّل هناك جبرائيل - وهو أعظم ملائكته - مطاعا أمينا على الملائكة المقرّبين ، والأنبياء والمرسلين . فسبحان اللّه ، حيث خصّ هذه الكلمة ( ثمّ ) بالإشارة إلى ذلك المقام العالي الرّبوبيّ ، سواء في الدّنيا أو في الآخرة . وهذه نكتة لم يدركها المفسّرون ، فخذها تغنم . ثانيا : اختلفوا في معنى الآية ( 1 ) وفي سبب نزولها ، قال الطّبرسيّ ( 1 : 191 ) : « اختلف في سبب نزول هذه الآية ، فقيل : إنّ اليهود أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس ، فنزلت الآية ردّا عليهم . عن ابن عبّاس ، واختاره الجبّائيّ ، قال : بيّن سبحانه أنّه ليس في جهة دون جهة ، كما تقول المجسّمة . وقيل : كان للمسلمين التّوجّه حيث شاءوا في صلاتهم ، وفيه نزلت الآية ، ثمّ نسخ ذلك بقوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
البقرة : 149 ، عن قتادة قال : وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قد اختار التّوجّه إلى بيت المقدس ، وكان له أن يتوجّه حيث شاء . وقيل : نزلت في صلاة التّطوّع على الرّاحلة ، تصلّيها حيثما توجّهت إذا كنت في سفر ، وأمّا الفرائض فقوله :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
البقرة : 144 ، يعني أنّ الفرائض لا تصلّيها إلّا إلى القبلة . وهذا هو المرويّ عن أئمّتنا عليهم السّلام . قالوا : وصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إيماء على راحلته أينما توجّهت به ، حيث خرج إلى خيبر ، وحين رجع من مكّة ، وجعل الكعبة خلف ظهره . وروي عن جابر قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سريّة كنت فيها ، فأصابتنا ظلمة ، فلم نعرف القبلة ، فقالت طائفة منّا : قد عرفنا القبلة ، هي هاهنا قبل الشّمال ، فصلّوا وخطّوا خطوطا ، وقال بعضنا : القبلة هاهنا قبل الجنوب ، وخطّوا خطوطا ، فلمّا أصبحوا وطلعت الشّمس ، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة ، فلمّا قفلنا من سفرنا سألنا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن ذلك ، فسكت ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية » . وقال في معنى
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ :
( 1 : 191 ) « أي أينما تولّوا وجوهكم فهناك وجه اللّه ، أي قبلة اللّه ، عن الحسن ومجاهد وقتادة . . . وقيل : معناه فثمّ اللّه يعلم ويرى ، فادعوه كيف توجّهتم . . . وقيل : معناه فثمّ رضوان اللّه ، يعني الوجه الّذي يؤدّي إلى رضوانه ، كما يقال : هذا وجه الصّواب ، عن أبي عليّ والرّمّانيّ » . وعندنا أنّ الأقرب إلى الصّواب - مع ملاحظة سائر الآيات في هذه السّورة بشأن تغيير القبلة ، حيث واجه اعتراض اليهود في المدينة ، كما قال :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
البقرة : 142 - هو أنّ الآيات كلّها مدنيّة ، نزلت بشأن تغيير القبلة عن بيت المقدس
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 571 | مجمع البحوث الاسلامية