تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
بالتّنكير ، إشعارا بأنّهما لا يدرك وصفهما وعظمتهما . ثمّ جمعهما في وصف ( كبيرا ) بالتّنكير أيضا لنفس السّبب ، كأنّهما لا يوصفان ولا يحدّان إلّا ب ( كبيرا ) وكفى . ويشعر الجمع بين ( نعيما ) و ( ملكا ) أيضا ببلوغ النّعمة نهايتها ، فإنّ نهاية سعة النّعمة هي الملك ، فالأبرار ملوك الجنّة ؛ يسعهم ما يسع الملوك في سلطانهم . قال الطّبرسيّ ( 5 : 411 ) : « نعيما خطيرا وملكا كبيرا ، لا يزول ولا يفنى ، عن الصّادق عليه السّلام . وقيل : ( كبيرا ) أي واسعا ، يعني أنّ نعيم الجنّة لا يوصف كثرة ، وإنّما يوصف بعضها . وقيل : الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم وتحيّتهم بالسّلام . وقيل : هو أنّهم لا يريدون شيئا إلّا قدروا عليه . وقيل : هو أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة ألف عام ، يرى أقصاه كما يرى أدناه . وقيل : هو الملك الدّائم الأبديّ في نفاذ الأمر وحصول الأمانيّ » . 2 - كأنّ هذه الآية
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ . . .
إجمال وفذلكة لتلك النّعم العظام الجامعة للشّراب واللّباس وطواف الغلمان عليهم ، والسّقي بأيديهم من أواني الفضّة والقوارير ، ومن الكأس والسّلسبيل . وهذه هي حياة الملوك في الدّنيا . فوقعت الفذلكة موقعها ؛ حيث جمعتها في
نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً .
ولم يكتف بها ، بل أتّمها ووصفها مرّة أخرى بما يخصّ الملوك من دون تكرار حرف العطف ، وكأنّها شرح لهذا الإجمال ، وتركيز بعد تركيز في أنّهم ملوك حقّا ، فقال :
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ،
ثمّ ختمها بقوله :
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
الدّهر : 21 ، 22 ، ربطا بينها وبين ما وصفهم به من الأعمال :
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ . . .
إلى قوله :
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
الدّهر : 7 ، 9 ، أي أنّكم إذا لا تريدون جزاء وشكورا من هؤلاء الأيتام والمساكين والأسرى ، فإنّا نجزيكم ونكيل لكم بصاع الملوك في هذه النّعم الكبرى ،
وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
الدّهر : 22 ، لاحظ ( ب ر ر ) : الأبرار ، فتجد فيها بحثا وافيا حول هذه الآيات . 3 - قال بعضهم : معناها « وإذا رأيت ما ثمّ » بحذف الموصول ، وهو مفعول ( رايت ) ، كما قيل في
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
الأنعام : 94 ، أي ما بينكم . وردّه الآخرون بأنّ ( ثمّ ) حينئذ تكون صلة ل « ما » ، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصّلة . وأجاب عنه أبو حيّان بأنّ ذلك ليس بخطإ مجمع عليه ، بل قد أجازها الكوفيّون ، وثمّ شواهد من لسان العرب . وأمّا الطّبريّ فقال : « وعنى بقوله : ( ثمّ ) الجنّة » ونحوه الزّجّاج ، فجعلاه مفعول ( رايت ) ، وجعله الزّمخشريّ ظرفا له ، أي إذا رأيت في الجنّة . والأولى أنّه مفعول له ، لكن أريد به تلك المواقف المذكورة والجوّ الّذي أحاط بها ، دون الجنّة نفسها كما قاله الطّبريّ ، فهذا أوفق بما عبّرنا عنه ب « عرف القرآن » . خامسا : جاءت ( ثمّ ) في ( 4 ) بسياق يشبه سياق ( 3 ) إشارة إلى جوّ الملك ؛ حيث قال بشأن جبرائيل في رحاب القدس الإلهيّ ، صاحب العرش العظيم :
ذِي قُوَّةٍ
أي فيما كلّف وأمر به من العلم والعمل وتبليغ الرّسالة
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ،
والعرش رمز