ولنا رأي خاصّ في ذلك ، وهو أنّ المناسب للجنّتين هو « الثّمر » بالفتح ، وهو اسم جنس ل « ثمرة » أو جمع لها ، كالخشب والخشبة . كما أنّ ذكر الجنّتين من الأعناب والنّخل يغني عن ذكر الأصل بلفظ « ثمر » مرّة ثانية .
والشّاهد عليه أنّه قرىء في ( 4 ) :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
بالفتح فقط ، وهذا نفس الأوّل . فحاصل القصّة أنّه كان لأحدهما جنّتان ، فيهما أنواع من الثّمار ، فلم يشكر اللّه بها فتلفت ، فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها ، نادما على كفره وشركه باللّه تعالى .
ثانيهما : الضّمير في « له » ، أيرجع إلى الرّجل أم النّخل ؟ والأوّل هو الصّواب ، لرجوع الضّمائر الأخرى إليه حتّى نهاية القصّة ، ومنها في ( 4 ) :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
خامسا : في ( 5 ) :
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ
بحوث :
1 - ( ليأكلوا ) متعلّق : ب ( جعلنا ) دون ( فجّرنا ) كما قيل ، وإن كان أقرب ، لأنّ الضّمير في ( ثمره ) يرجع إلى ما ذكر من الجنّات كما يأتي ، ولأنّ ( فجّرنا ) شرح لسير الجنّات ، فهو فرع على ( جعلنا ) .
2 - قال الزّمخشريّ إنّ « ثمره » قرىء بثلاث قراءات هنا أيضا ، مثل ( 3 ) ، واكتفى الميبديّ هنا بقراءتين :
« ثمره » و « ثمره » . والأولى الفتح عندنا ، لأنّه بمعنى الثّمرة ، وهو المناسب للجنّات والنّخيل والأعناب ، كما تقدّم في ( 3 ) .
3 - اختلفوا في مرجع الضّمير في ( ثمره ) ، أهو ما ذكر من الجنّات أم النّخيل ، وترك « الأعناب » للعلم بها ، وله نظير في القرآن ، أو التّفجير ، أو ماء العيون ، أو إلى اللّه على الالتفات من التّكلّم ( فجّرنا ) إلى الغيبة ؟ والأوّل هو الأولى ، كما تقدّم في ( 3 ) ، وقد عدّ الطّباطبائيّ سائر الأقوال رديئة .
4 - قد طبّق صدر المتألّهين هذه الآية على أحوال الأرواح الإنسيّة بحسب المعاد ، تشبيها للمعارف العلميّة الحاصلة بماء الإفاضة الإلهيّة وبلوغها إلى غايتها الرّوحيّة . . . بالثّمار الّتي غايتها التّقوّت بها . وأصل هذا النّحو من التّأويل يؤول إلى محي الدّين بن عربيّ ، صاحب الفتوحات ، وتبعه من جاء بعده من العرفاء والمفسّرين والشّعراء . وله أصل في القرآن ، فقد جاء
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
الرّعد : 17 .
5 - عطف
ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ
على ( ثمره ) ، تنبيها على أنّ الثّمر وإن كان من خلق اللّه ، إلّا أنّ للإنسان أيادي في نشوئها وغرسها وسقيها وثمادها - كأسباب لبلوغها إلى غاياتها - وترغيبا للنّاس في العمل ، وتحذيرا من الإهمال والتّساهل في غير محلّه ، وتقديرا لأعمالهم .
وقد قيل : إنّ « ما » نافية ، أي ليس لكم يد في نشوئها ، مثل :
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
الواقعة : 64 ، وهو بعيد .
سادسا : جاءت الآيتان ( 6 ) و ( 7 ) - كما سبق - بشأن ثمار الجنّة ، وفيها بحوث :
1 - ليس فيهما ذكر لإنزال الماء من السّماء وإنبات