عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
لقمان : 14
3 -
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ . . .
فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ . . .
البقرة : 233
وفيها جهات من البحث :
الأولى : أنّ المفسّرين والفقهاء اهتمّوا بآيتي الأحقاف والبقرة ، وسكتوا عن آية لقمان مع دخلها في الموضوع ، فجمعوا بينهما بحمل الأولى على أقلّ مدّة الحمل - وهي ستّة أشهر - وأكثر مدّة الرّضاع ، وهي حولان . وأوّل من استنبط ذلك عليّ عليه السّلام ، وتبعه ابن عبّاس ومن تلاه كما جاء في النّصوص . ولا بأس بهذا الجمع ، إلّا أنّ الأمر لا ينحصر به كما يأتي .
الثّانية : أنّ كثيرا من أهل السّنّة عدّوا أكثر مدّة الحمل بسنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس ، لاحظ النّصوص . وخالفهم الإماميّة في ذلك ، فالقول المشهور عندهم تسعة أشهر أو عشرة أو سنة « 1 » .
الثّالثة : أنّ أقلّ مدّة الرّضاع عند الإماميّة والشّافعيّ ( 21 ) شهرا ، وأكّدوا أنّ الأقلّ منه جفاء على الطّفل ، إلّا فيما استثني نادرا « 2 » .
الرّابعة : يخطر بالبال أنّ الآيتين الأوليين المكّيّتين لم يتعرّضا للتّشريع ، بل لبيان ما كان تجري عليه العادة بين النّاس حين ذاك من مدّة الحمل والرّضاع معا ثلاثون شهرا ، رغم أنّ بعضهم نيّف مدّة الرّضاع حتّى بلغت تمام الحولين . وسياقهما الوصيّة بالوالدين وإيفاء حقوقهما والإحسان إليهما بإزاء إيلادهما وحضانتهما الولد ، وما تتحمّله الأمّ بالذّات من الصّعوبات . فبدأ اللّه فيهما بقوله :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ،
حيث كان لهما دخل في نشأته . ثمّ التفت إلى هموم الأمّ في حمله ، حيث قال في الأولى :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ،
وفي الثّانية :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ ،
أي أنّها كانت مكرهة في حمله ووضعه ، وكان يعرض لها في حملها وهن بعد وهن ، لأنّه كلّما يكبر الجنين في بطنها يعرض لها وهن كثير حتّى تضعه ، فيمثّل لنا هذا السّياق هموم الأمّ ومعاناتها في حمل الطّفل .
ثمّ تعرّض فيهما لمشقّة الرّضاعة إلى جنب الحمل ، وهي على عهدة الأمّ أيضا ، وعلى الأب النّفقة . فجمع في الأولى مدّة الحمل والرّضاع في ثلاثين شهرا ، وكانت المتعارفة لهما في مكّة وغيرها ، واكتفى في الثّانية ببيان أكثر مدّة الرّضاع - وهي حولان - إمعانا في وصف ما تكابده الأمّ .
هذا ما في الآيتين المكّيّتين وفاقا لسياق الآيات المكّيّة ، أمّا الآية الأخيرة المدنيّة فسياقها التّشريع لحكم الرّضاع ومدّته جريا على ما اعتاده النّاس من إكمال الحولين - وهو الأولى - أو الاكتفاء بما دونهما ، حيث قال :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ،
فلم يحتّم الإكمال ، بل خصّه بمن أراد أن يتمّ الرّضاعة . وفيه تصريح بأنّ إتمام الرّضاعة بإكمال
هامش
( 1 ) جواهر الكلام ( 31 : 225 ) .
( 2 ) المصدر السّابق ( 31 : 377 ) .