تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
الطّاعة وثقالا عن المعصية ، أو خفافا إلى المبارزة وثقالا في المصابرة ونحوها . والأوّل - وهو الثّقل المادّيّ - أقرب . 3 - ومنه ما هو ظاهر في ثقل الكرامة ، محتمل للثّقل المادّيّ ، أو للحرج والمشقّة مثل الآيات : ( 1 - 3 ) ، وجاء فيها
ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ،
و
خَفَّتْ مَوازِينُهُ .
وقد فسّر أكثرهم الوزن بالمحاسبة والثّقل والخفّة برجحان العمل وحسنه وضدّهما . فالوزن فيها ، وثقل الأعمال وخفّتها كلّها معنويّة ، قال الإمام الصّادق عليه السّلام فيه : « فمن رجح عقله » . واحتمل بعضهم فيها الوزن المادّيّ بحملها على وزن صحائف الأعمال ، مع أنّ الصّحائف لا يعلم أهي أوراق أم علوم ؟ ومن قال من المتكلّمين بتجسّم الأعمال يوم القيامة - كما دلّت عليه الرّوايات - فتيسّر له حملها على الثّقل المادّيّ ، لاحظ كلمة ( الميزان ) في « وزن » . ومن هذا القبيل الآية ( 15 ) :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ،
ولا شكّ أنّهما الإنس والجنّ ، لأنّهما المخاطبان في سورة الرّحمن . بيد أنّ الكلام في وجه تسميتهما بالثّقلين ، والقول الرّاجح أنّه لعظم شأنهما ، كما جاء في حديث الثّقلين . وهناك قول بأنّهما مثقّلان بالذّنوب أو بالتّكاليف ، فيرجع إلى الحرج ، أو هما ثقيلان على الأرض ، فيرجع إلى الثّقل المادّيّ الموجود في الإنس ، وقالوا : إطلاقه على الجنّ من باب التّغليب . ومن هذا القبيل الآية ( 4 ) في وصف القيامة :
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ،
أي عظمت وكبرت على أهل السّماوات والأرض ، أو عظم العلم بقيامها عليهم لخفائها . وقيل : شقّت عليهم ، لأنّهم يتوقّعونها ويخافون شدائدها وأهوالها ، فيرجع إلى الحرج . 4 - ما ظاهره الوزن المادّيّ ، أطلق على الأعمال وجزائها استعارة في الآيات ( 19 - 24 ) . وهو ظاهر في مثل :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ،
والمراد بها قليل من العمل وجزائه ، وفي
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ .
ومحتمل في
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . . .
و
لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ،
لو أريد بها الأعمال ، ولو أريد بها أنّ النّاس لا يملكون شيئا في السّماوات والأرض ، فالمراد به الثّقل المادّيّ ونحوه ، وهو الظّاهر . وفيها نكات : أ - المثقال في اللّغة : اسم آلة لما يوزن به الشّيء ، وشاع استعماله في وزن خاصّ مقدّر بقدر قليل ، وأريد به في الآيات وزن قليل من دون تقدير . ب - أضيف ( مثقال ) فيها إلى ( ذرّة ) دائما : ( مثقال ذرّة ) ، وصار مثلا قرآنيّا ساريا في كلّ شيء قليل ، أي وزن ذرّة ، أو ثقل ذرّة ، وقالوا : الذّرّة : النّملة الصّغيرة ، وهي من مصاديقها ، لاحظ « ذ ر ر » ج - قال الزّجّاج : الأعمال لا وزن لها ، لكنّ النّاس خوطبوا فيما تنطوي عليه قلوبهم بتمثيل ما يدرك بأبصارهم ، لأنّ ما يبصر أبين لهم ، وهذا بيان للاستعارة المذكورة . د - قال المشهديّ في
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ :
« المثقال : من المثقل ، وفي ذكره إيماء إلى أنّه وإن صغر قدره ، عظم جزاؤه ؛ حيث أثبت للذّرّة ثقلا . وإيماء إلى أنّ وضع الشّيء في غير محلّه وإن كان صغيرا فهو عظيم ثقيل في القبح » ، وهذا جار في جميع الآيات .