الثّوابت والسّيّارات والحيوان والنّبات ، ومن ( الثّرى ) :
مقام العظمة والاقتدار والجبروت ، ويقع تحتها عالم الأمر . فتشمل الآية الكريمة جميع طبقات الخلق والأمر
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
الأعراف : 54 .
فعلى هذا التّفسير لا يبقى إشكال : من جهة شمول ما في الأرض : على ما تحت الثّرى وفوقها ، ومن جهة أن خروج عوالم الرّوحانيّة والأمر عن مفهوم الآية الكريمة يوجب الضّعف ، ومن جهة أنّ حقيقة السّماء والأرض بالنّسبة إلى اللّه المتعال وبلحاظ الحقيقة هو ذلك التّفسير ، لا الاختصاص بالمادّة . ( 2 : 14 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة : الثّرى ، أي النّدى ، والتّثنية كثريان ، والجمع أثراء ، يقال : ثريت الأرض ثرى ، أي نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس ، فهي ثرية وثرياء . وأثرت أيضا : كثر ثراها ، أي نداها ، فهي مثرية .
وثرّى فلان التّراب : بلّه ، وثرّى الموضع تثرية :
رشّه بالماء ، يقال : ثرّ هذا المكان ثمّ قف عليه ، وثرّى الأقط والسّويق : صبّ عليه ماء ثمّ لتّه به .
وبدا ثرى الماء من الفرس ، أي ندي بالعرق ، وثرى الفرس بالعرق ثرى شديدا ، وتثرّى تثرّيا .
بيد أنّه توسّع استعماله في العربيّة فأطلق على التّراب ، فقالوا : أثرى المطر ، إذا بلّ الثّرى ، والثّرى :
التّراب وكلّ طين لا يكون لازبا إذا بلّ . وقيّده بعض بالتّراب الرّطب ، يقال : أثر القبر ، أي بلّ ترابه ليكون ثرى .
ومن المجاز : فلان قريب الثّرى : قريب الخبر ، يقال :
ما أقرب ثراه ! وما بيني وبين فلان مثر ، أي لم ينقطع ، وهو مثل ، وأصل ذلك أن يقول : لم ييبس الثّرى بيني وبينه .
وثريت بفلان : سررت به وفرحت . وإنّي لأرى ثرى الغضب في وجه فلان ، أي أثره . وإنّ فلانا لقريب الثّرى بعيد النّبط ، يقال للّذي يعد ولا وفاء له .
2 - ويكاد يلحظ هذا المعنى - أي الثّرى بمعنى النّدى - في سائر اللّغات السّاميّة أيضا ، فقد جاء « الثّرى » في الآراميّة والسّريانيّة بلفظ « ترى » ، أي البلل والرّطوبة .
3 - وقد خلط كثير من اللّغويّين بين ( ث ر و ) و ( ث ر ي ) ، ولم يفرّقوا بينهما ، إلّا أنّهم ترجموا الأوّل بالبلل غالبا والثّاني بالكثرة . وهناك من ترجم ( ث ر ي ) بالكثرة فقط ؛ إذ قال الكسائيّ : « ثريت بفلان ، فأثر به ، أي غنيّ عن النّاس » . وقال أبو عمرو : « ثري الرّجل يثرى ثرا وثراء - ممدود - وهو ثريّ ، إذا كثر ماله » .
وقال أبو عبيد : « الثّريّ : الكثير من المال وغيره » . وقال ابن أبي اليمان : « الثّرى : التّراب الرّطب . . . وما أقرب ثراه ، أي خيره » . وقال الزّجّاج : « ثرى المكان وأثرى ، إذا ندي بعد يبس وكثر فيه النّدى ، وكذلك ثرى القوم وأثروا ، إذا كثرت أموالهم » . وقال ابن دريد : « الثّراء - ممدود - : الغنى . . . وثرى الأرض - مقصور - والجمع أثراء ، وهو التّراب النّديّ ، وأرض ثرياء : كثيرة الثّرى » . وقال ابن فارس : « الثّاء والرّاء والحرف المعتلّ أصل واحد ، وهو الكثرة وخلاف اليبس » ، فلم يفرّق بين أن يكون الحرف المعتلّ واوا أو ياء .