إرادته ، فعزوف عمّا يريد . فليس « الثّبط » مطلق الحبس والمنع والصّرف وما يراد فيها ، وإنّما هو انصراف عن عمل أراده ، فكسل وثقل ، ووهنت إرادته . وهذا المعنى المزدوج من الثّقل وضعف الإرادة لا يؤدّيه إلّا الثّبط .
أمّا التّثبيط فهو إيجاد الثّقل وتضعيف الإرادة في الإنسان من الغير ، أو كلا الثّبط والتّثبيط متعدّ ، لمجيء المثبوط في اللّغة . وقد لاحظها بعضهم في تفسيرها مع تفاوت في تقديم الاستثقال على وهن الإرادة أو تأخيره عنه ، ولكلّ منهما وجه .
وعليه فصيغة « تفعيل » هنا للتّأكيد والتّشديد دون التّعدية ، ولعلّ هذه هي النّكتة في الإتيان ب « ثبّط » ، إضافة إلى الجناس النّاقص بين « الانبعاث » و « ثبط » في حرف « الثّاء » .
رابعا : نسب التّثبيط هنا إلى اللّه ؛ حيث قال :
كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ،
أي أنّ اللّه كرّه خروجهم معكم ، فسلّط عليهم الثّقل ، ووهّن عزيمتهم ، وبذلك قويت شبهة الجبر .
وقد استخلص منها الطّبرسيّ بقوله : « فثبّطهم عن الخروج الّذي عزموا عليه - وهو الإفساد والتّفتين بين المجاهدين المذكورين في الآية اللّاحقة - لا عن الخروج الّذي أمرهم به ، لأنّ الأوّل كفر ، والثّاني طاعة » .
وقال الطّباطبائيّ : « أي جزاهم بنفاقهم ، وامتنانا عليك وعلى المؤمنين ، لئلّا يفسدوا جمعكم ، ويفرّقوا كلمتكم بالتّفتين وإلقاء الخلاف » .
وأمّا السّيّد فضل اللّه فحلّ المشكلة بما ذكره مرارا من أنّ نسبة ما يقوم به الإنسان من أعمال السّوء في القرآن إلى اللّه ، جريا على قانون السّببيّة الّذي يمرّ من خلال الأسباب المباشرة ، الّتي منها إرادة الإنسان ، وتنتهي إلى اللّه ، فلاحظ .
أمّا المعتزلة والشّيعة وأتباعهم ، فعندهم تأويلات مختلفة يكرّرونها ذيل الآيات . وأمّا الأشاعرة ومعهم السّلفيّة - فيحتفظون بظاهرها ، ويستدلّون بها على مذهبهم بأنّ أفعال العباد هي فعل اللّه ، ويستخلصون من شبهة الجبر بالقول بالكسب ، لاحظ « ك س ب » .
خامسا : قوله :
كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ،
فالتّثبيط متفرّع على كراهة الانبعاث ، أي لمّا كره اللّه انبعاث المنافقين بعد البعث إلى القتال ، ولم يرض بخروجهم ونهوضهم للقتال ، فثبّطهم . والانبعاث مطاوعة البعث ، وعدم الانبعاث عبارة أخرى عن تثاقلهم وعدم تحرّكهم ، وتأثّرهم بالأمر بالقتال .
فجاءهم التّثبيط ، وهو ضعف الإرادة والكسل مع الثّقل ، فما أحسن الالتئام والانسجام بين الانبعاث والثّبط معنى ، كما أنّ بينهما جناسا مّا لفظا بتكرار حرف « الثّاء » فيهما كما سبق .
سادسا : لعلّ قوله :
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
بلفظ « قيل » مجهولا إشارة إلى هذا الوهن النّفسيّ الّذي جاءهم من دون أن يعلموا مصدره ، دون أن يخاطبوا بخطاب يسمعونه بمسامعهم .