فالنّظر الأصيل في « الثّبوت » إلى الاستقرار المادّيّ ، وفي « الثّبط » إلى الاستقرار القلبيّ والمعنويّ . فلا يخفى اللّطف في انتخاب هذه الكلمة في الآية الكريمة ، في حقّ المخالفين المنافقين . ( 2 : 7 )
النّصوص التّفسيريّة
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ .
التّوبة : 46
ابن عبّاس : كسلهم وفتّر نيّاتهم . ( أبو حيّان 5 : 48 )
الطّبريّ : فثقل عليهم الخروج حتّى استخفّوا القعود في منازلهم خلافك ، واستثقلوا السّفر والخروج معك ، فتركوا لذلك الخروج . ( 10 : 144 )
الزّجّاج : أي كره اللّه أن يخرجوا معكم ، فردّهم عن الخروج . ( 2 : 450 )
البغويّ : منعهم وحبسهم عن الخروج . ( 2 : 355 )
الميبديّ : أي حبسهم وخذّلهم وكسلهم .
( 4 : 141 )
الزّمخشريّ : فكسلهم وخذّلهم وضعّف رغبتهم في الانبعاث . ( 2 : 193 )
نحوه الفخر الرّازيّ ( 16 : 79 ) ، والقاسميّ ( 8 :
3167 ) ، والطّنطاويّ ( 5 : 135 ) .
الطّبرسيّ :
فَثَبَّطَهُمْ
عن الخروج الّذي عزموا عليه ، لا عن الخروج الّذي أمرهم به ، لأنّ الأوّل كفر والثّاني طاعة .
ومعنى ( ثبّطهم ) : بطّأ بهم وخذّلهم ، لما يعلم منهم من الفساد . ( 3 : 35 )
النّيسابوريّ : حبسهم في سجن البشريّة .
( 10 : 102 )
البروسويّ : أي حبسهم بالجبن والكسل فتثبّطوا عنه ، ولم يستعدّوا له . والتّثبيط : صرف الإنسان عن الفعل الّذي يهمّ به . ( 3 : 442 )
الآلوسيّ : أي حبسهم وعوّقهم عن ذلك . ( 10 : 111 )
الطّباطبائيّ : أي جزاء بنفاقهم ، وامتنانا عليك وعلى المؤمنين ، لئلّا يفسدوا جمعكم ، ويفرّقوا كلمتكم بالتّفتين ، وإلقاء الخلاف . ( 9 : 290 )
فضل اللّه :
فَثَبَّطَهُمْ
وأخّرهم عن الخروج ،
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
العاجزين ، أو المتكاسلين الّذين لا يعيشون مسؤوليّة القضايا الكبيرة في ما يفرضه الإيمان على الإنسان في الحياة .
وقد أوضحنا - أكثر من مرّة - أنّ نسبة تأخير الأشياء إلى اللّه في أعمال السّوء الّتي يقوم بها الإنسان ، لا تمثّل حالة جبريّة قسريّة في حركة الإرادة لدى الإنسان ، بل تمثّل الحالة الّتي يملك فيها الإنسان موقع السّبب المباشر في المسألة ، الّتي ترتبط بأدوات العمل وقانون السّببيّة ، الّذي يربط بين الأشياء ومقدّماتها .
وهكذا أبقاهم اللّه في دائرة التّثبيط ، فلم يخرجهم منها بطريقة غير عاديّة ، لما في ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين ، لأنّهم يمثّلون في مواقع عقدة النّفاق في نفوسهم ، الخطر الدّاخليّ على المجتمع الإسلاميّ الّذي يعملون على الكيد له ، بمختلف الوسائل في الحالة العاديّة في أوقات السّلم ، فكيف يكون الأمر في الحالات