صاح وبكى يحسّ بخفّة وراحة في نفسه .
ثالثا : قوله :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً . . .
توبيخ وتقريع ونوع تهكّم لهؤلاء ، سواء كان لسان حال أم مقال ، أي كرّروا هذا القول ما استطعتم ، فإنّه لا ينفعكم اليوم ، سواء استقللتم منه أم استكثرتم . فهو في معنى قوله :
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ
الطّور : 16 ، وقوله حكاية عنهم :
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
إبراهيم : 21 ، كذا أفاد الطّباطبائيّ .
رابعا : « ثبور » مصدر مثل : قعود وحضور ، وهو مفعول « دعا » كما سبق ، وقيل : مفعول مطلق للفعل « ادعوا » أي ادعوا دعاء ثبورا ، أو لفعل محذوف ، أي ادعوا قائلين ثبورا ، وهو بعيد .
خامسا : « المثبور » في ( 4 ) اسم مفعول ، يحكي عن أنّ الفعل « ثبر » جاء متعدّيا أيضا ، كما جاء لازما في باقي الآيات ، لأنّه فيها بمعنى الهلاك دون الإهلاك . قال الزّجّاج : « ثبر الرّجل ، فهو مثبور » ، وذكروا في معناه :
ملعون ، ومغلوب ، ومهلك ، ومجنون أو مخبول لا عقل له ، ولا عقل له في دينه ومعاشه ، وناقص العقل ، وملعون محبوس أو ممنوع من الخير ، ومخالف ، وهالك ، ومسحور ، ومبدل ، ومبتلى ، ومصروف عن الخير مطبوع على عقله ، مطبوع على الشّرّ ، وبعيد عن الخير ، وهالك يدعو بالثّبور . وجمع بعضهم بين هذه الأقوال ، وقد أرجعها النّحّاس إلى معنى واحد ، بحجّة أنّه بمعنى الصّرف والمنع في أصل اللّغة .
سادسا : نبّه الرّازيّ على أنّ فرعون قال لموسى في الآية السّابقة :
إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ،
فأجابه موسى بنفس السّياق :
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ،
أي أنت تنكر هذه الآيات الباهرات حسدا وبغيا وصبوا إلى الدّنيا ، ومن كان كذلك فعاقبته الدّمار والثّبور . وقد قابل الآلوسيّ بين القولين ، فقال : « وقد قارع موسى ظنّه بظنّه ، وشتّان ما بين الظّنّين ، وإنّ ظنّ فرعون إفك مبين ، وظنّ موسى عليه السّلام يحوم حوم اليقين » .
ونقول : لا يبعد أنّ ( مثبورا ) جاء بهذه الصّيغة رويّا متلائما مع ( مسحورا ) على خلاف المعتاد ، وله نظير في القرآن ، مثل :
سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ
الصّافّات :
130 ، وقد سبق في « إلياس » فلاحظ .
سابعا : استبعد الآلوسيّ تفسيره ب « هالك » ، لأنّ فيه خشونة تنافي ما أمر اللّه موسى وهارون بقوله :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
طه : 44 .
وأجاب عنه أبو حيّان بأنّ موسى كان أوّل الأمر يتوقّع من فرعون المكروه ، كما قال :
إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى
طه : 46 ، فأمر أن يقول له قولا ليّنا . فلمّا قال له اللّه : ( لا تخف ) ، وثق بحماية اللّه تعالى ، فتشدّد في مجابهته بمثل هذا الكلام .
ثامنا : أطالت بنت الشّاطئ البحث في هذه المادّة ، حتّى استقرّ رأيها على أنّ الثّبور هو الهلاك المستمرّ . ولذا فسّره الرّاغب بالهلاك والفساد والمثابرة على الإتيان ، وفي المثابرة معنى الدّأب والاستمرار .
تاسعا : تخصّ الآيات الأولى الهلاك في الآخرة - كما سبق - أمّا هذه الآية فتخصّ الهلاك في الدّنيا ، وإن استتبعه الهلاك في الآخرة ، إلّا أنّها مشتركة في كونها مكّيّة ، تلائم جوّ الإنذار الشّاسع للمشركين .