« الثّبور » في السّريانيّة بلفظ « تبرا » بنفس المعنى أيضا .
الاستعمال القرآنيّ
جاء من هذه المادّة لفظان هما : « ثبورا » أربع مرّات في الثّلاث الأولى ، و « مثبورا » مرّة في الأخيرة :
1 -
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
الفرقان : 13
2 -
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
الفرقان : 14
3 -
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً
الانشقاق : 11
4 -
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً .
الإسراء : 102
يلاحظ أوّلا : أنّ « ثبورا » جاء مصدرا مفعولا للفعل « دعا » في الثّلاث الأولى . وقد كرّر الفعل وفاعله ومفعوله في ( 1 ) و ( 2 ) - وهما متّصلان معا - ثلاث مرّات ، تأكيدا وتشديدا للوعد بعذاب السّعير في الآخرة . فقبلهما
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذا أُلْقُوا مِنْها . . .
الفرقان : 11 - 13 ، وهذا عند دخول السّعير وذوق ألم النّار .
وأمّا في ( 3 ) فلم يتكرّر الدّعاء بالثّبور ، لأنّه قبل حلول العذاب عند تلقّي كتاب الأعمال ، فقبلها
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ . . . .
ودعاء الثّبور عند العرب مثل : « واويلاه ، واثبوراه » أو « وا هلاكاه » مع تكرار الدّعاء عند مواجهة الضّيق والمشقّة ، وهجوم البلاء والآلام عليهم ، شكاية من شدّة البلاء . وكلّما اشتدّ العناء ، وعظم البلاء ، دامت الأرزاء ، وتكرّر الدّعاء . ولهذا قال في ( 2 ) :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ،
أي أنّ العذاب بلغ مبلغا من الشّدّة ، يستدعي أن تدعوا ثبورا كثيرا لا ثبورا واحدا .
وقال فيه الزّمخشريّ : « لأنّ العذاب أنواع وألوان ، لكلّ نوع منها ثبور لشدّته وفظاعته ، أو لأنّهم كلّما نضجت جلودهم بدّلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم » . وزاد عليه الفخر الرّازيّ « بأنّ ذلك العذاب دائم خالص عن الشّوب ، فلهم في كلّ وقت من الأوقات الّتي لا نهاية لها ثبور . . . » .
ثانيا : قال الزّمخشريّ وغيره بأنّ معنى الدّعاء :
« تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك » . وعليه فالدّعاء منهم حقيقيّ ، لأنّهم يلتمسون الهلاك ليخلصوا من العذاب ، فهو نوع احتيال للتّخلّص من الشّدّة . وهذا مثل قول الرّجل عند الشّدّة : « اللّهمّ ارزقني الممات ، وخلّصني من هذه الحياة » ، لأنّ الموت عنده حينئذ أحلى من الحياة ، كما قيل : « أشدّ من الموت ما يتمنّى معه الموت » . وهذا معنى يتلائم مع المعنى الأصليّ للثّبور ، وهو الانصراف ، لأنّه بالموت ينصرف عن الحياة .
وهناك رأي بأنّ الدّعاء هنا ليس حقيقيّا ، بل هو عبارة عن تمنّي الموت ، فهو حاك عن حالتهم النّفسيّة ، لا عن مقالتهم اللّسانيّة ، فهو لسان حال ، لا نقل مقال .
ومثله يقال في
وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ،
أي هم بحسب حالتهم أحقّاء بأن يقال لهم ذلك ، وإن لم يكن ثمّة قول .
وهذا وجه حسن ، وأحسن منه ما احتمله الرّازيّ خلال كلامه : أنّهم يجدون بهذا القول خفّة ، فإنّ المعذّب إذا