الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا . . . .
والتّثبيت في هاتين فعل روح القدس والملائكة ، إلّا أنّه من عند الرّبّ المتعال وبأمره ، ولعلّه فيما سبقهما كذلك ، لكن نسب إلى اللّه ، وهو السّبب الآمر ، نظير « بنى الأمير المدينة » ، إلّا أنّه على كلّ حال أفضل وأسمى ، ويستدعي فضلا أكبر للمؤمنين .
وبينهما تفاوت أيضا ، ففي ( 5 ) آلة روح القدس في عمله هو القرآن ، دون ( 6 ) فهي مطلقة .
4 - التّثبيت في ( 11 ) و ( 12 ) - وقد جاء بلفظ المصدر - عمل المؤمنين ، فإنّ عملهم - وهو الإنفاق في مرضاة اللّه في ( 11 ) ، وفعلهم ما يوعظون به في ( 12 ) - يستتبع تثبيتهم ، وهاتان أيضا تعمّان التّثبيت الشّامل للقلب والقالب ، كما في ( 5 ) و ( 6 ) تماما .
5 - وجاء في أربع منها - وهي ( 7 - 10 ) - تثبيت الأقدام من اللّه تعالى ، وهو تعبير شائع عن الثّبات الشّامل والصّمود الكامل روحا وجسما ، واستعارة لطيفة تشبيها لمن لا يزول قدمه في مشيه . ومثلها الآية ( 17 ) ، إلّا أنّها تعكس الثّبات بالزّوال والأقدام بالقدم ، ففيها :
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها .
وما يدرينا فلعلّ « تثبيت الأقدام » تعبير قرآنيّ شاع في الأدب العربيّ والإسلاميّ ، ومثله كثير ، فينبغي استقراءها خدمة للقرآن وبيان أثره على الأدب .
خامسا : أنّ هذه المادّة « ث ب ت » ميمونة الطّالع في القرآن ، لأنّ سياقها جميعا مدح وترغيب وهداية ، وحتّى ( 17 ) ، فإنّها ذمّ للعثرة وزوال القدم ، وهذا عكس مادّة « ث ب ر » الآتية ، فكلّها ذمّ وتفنيد ، وهذه المادّة كلّها ثبات في سبيل اللّه وفي الإيمان وطاعة اللّه والجهاد ، وهو خير ثبات وأفضل صمود .
سادسا : أنّ سبعا من الآيات - وهي ( 1 - 5 ) ، و ( 16 ) و ( 17 ) - مكّيّة ، والباقي - وهي أكثرها - مدنيّة .
وهذا يكشف عن أنّ المؤمنين في ساحة المدينة - وقد شكّلوا فيها حكومة ، ودافعوا عن أنفسهم بالقتال والجهاد ، وتقلّدوا السّلاح - كانوا يحتاجون التّوصية بالصّمود ، وكان فضل اللّه عليهم بالثّبات في سبيله أكثر من مكّة ، إلّا أنّ سيطرة المشركين عليها تستدعي أيضا صمودا باطنيّا ، بلا أيّ سلاح سوى سلاح العقيدة والتّوحيد والإخلاص والرّجاء بوعد اللّه ، فالثّبات في مكّة نفسانيّ تماما ، وفي المدينة شامل لكلّ الأبعاد ، على أنّها أوسع ميدانا ، وآمن جنابا .