تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
ومصدرا مرّتين في ( 11 ) و ( 12 ) . رابعا : لا ريب أنّ التّثبيت في جميع الآيات يتضمّن المبالغة والتّأكيد المفهومين من صيغة ( التّفعيل ) ، كما أنّ أكثرها - لولا جميعها - معنويّ ونفسانيّ ، إلّا أنّ بينها تفاوتا ملموسا من جهات : 1 - جاء في ( 1 ) :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ،
وهو تثبيت قلب النّبيّ لئلّا يميل إليهم ويركن ، لا على حساب الإيمان ، فإنّه كان ثابتا في إيمانه ، لم يختلج قلبه شكّ ، ولم يساور فكره شرك قطّ ، ولم ينح نحوهم بعد إيمانه طرفة عين . فهذا يخفّف الخطأ المحتمل منه ، ورغم ذلك فقد كان ميلا قليلا جدّا ، وهذا الميل القليل إلى الكفّار كاد يصدر عنه . استجلابا لقومه إلى الإيمان بربّه - بطبيعته البشريّة ، لا بوصفه نبيّا مرسلا ، ومع ذلك أعقبه الوعيد بالعذاب على تقدير صدوره عنه ، ولكنّ اللّه تعالى عصمه بلطفه من هذا الميل الضّئيل بوصفه نبيّا معصوما ، فلم يصدر عنه ، وهذا أجدر بالعصمة وأحسن تآلفا معها . وقد حملها المفسّرون على الرّكون إليهم في رفض الإيمان باللّه ، فأشكل عليهم الأمر ، فأوّلوها بوجوه ، لاحظ النّصوص . ووصل بعضهم الآية بما قبلها ، وهو قوله :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا
الإسراء : 73 ، ومعنى ذلك أنّه كاد أن يلبّي طلبهم بالافتراء على اللّه غير القرآن ، وهذا منه في غاية البعد ؛ إذ هو أعظم من رفض الإيمان الّذي أنكرناه . وقد حكى الطّبرسيّ ( 3 : 432 ) عن ابن عبّاس أنّه قال : « رسول اللّه معصوم ، ولكنّ هذا تخويف لأمّته ، لئلّا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام اللّه وشرائعه » . وبهذا الوجه أوّلوا هذا القبيل من الآيات الّتي تناقض العصمة . وروي عنه أيضا « أنّه لمّا نزلت هذه الآية ، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : اللّهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا » . 2 - جاء في ( 2 ) و ( 3 ) تثبيت فؤاد النّبيّ بالقرآن :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
و
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ،
وهذا دليل على أنّ النّبيّ كان يتذكّر بالقرآن ويتثبّت به ، ويعتبر بقصصه كلّما نزلت آية أو قصّة نجوما ، وهذا مقتضى الطّبيعة البشريّة ، وحقيقة هذا التّثبيت لفؤاده عليه السّلام مزيد اطمئنانه بمستقبل الإسلام ، والانبعاث الرّوحيّ لحياته بتلقّيه الوحي نجوما ، والاستمرار بجهاده في سبيل اللّه ، وصموده أمام الأعداء . 3 - جاء في ( 4 ) و ( 5 ) و ( 6 ) تثبيت المؤمنين على الحقّ إطلاقا ، فيعمّ تثبيت قلوبهم وأعمالهم ، ففي ( 4 ) :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
وهذا تثبيت من اللّه لهم في الدّارين تماما ، ولا يختصّ القول الثّابت فيها بالاعتراف باللّسان فحسب ، بل يعمّ العقيدة والعمل جميعا . وهذا تعبير شائع عن الصّمود المطلق ، ولعلّ أصله القرآن . وفي ( 5 )
نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا . . .
وفي ( 6 ) :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى