شاهدا ، ونقول كلمة في حكمة هذا العقاب ، تبصرة وذكرى لأولى الألباب ، وهي :
إنّ الشّعوب الّتي تنشأ في مهد الاستبداد ، وتساس بالظّلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذلّ نفوسها ، ويذهب بأسها ، وتضرب عليها الذّلّة والمسكنة ، وتألف الخضوع ، وتأنس بالمهانة والخنوع . وإذا طال عليها أمد الظّلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة ، حتّى تكون كالغرائز الفطريّة ، والطّبائع الخلقيّة ، إذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ، ويتفلّت منك ليتقحّم فيها .
وهذا شأن البشر في كلّ ما يألفونه ويجرون عليه من خير وشرّ ، وإيمان وكفر ، وقد ضرب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مثلا لهدايته وضلال الرّاسخين في الكفر من أمّة الدّعوة ، فقال : « مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلمّا أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدّوابّ الّتي تقع في النّار يقعن فيها ، ويجعل يحجزهنّ ويغلبنّه فيتقحّمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النّار وأنتم تقحّمون فيها » رواه الشّيخان .
أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطابع المهانة والذّلّ ، وقد أراهم اللّه تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدّالّة على وحدانيّته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السّلام ، وبيّن لهم أنّه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذّلّ والعبوديّة والعذاب ، إلى الحرّيّة والاستقلال والعزّ والنّعيم . وكانوا على هذا كلّه إذا أصابهم نصب أو جوع ، أو كلّفوا أمرا يشقّ عليهم ، يتطيّرون بموسى ويتململون منه ، ويذكرون مصر ويحنّون إلى العودة إليها . ولمّا غاب عنهم أيّاما لمناجاة ربّه اتّخذوا لهم عجلا من حليّهم الّذي هو أحبّ شيء إليهم وعبدوه لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريّين وإعظام معبودهم العجل « أبيس » وكان اللّه تعالى يعلم أنّهم لا تطيعهم نفوسهم المهينة على دخول أرض الجبّارين ، وإنّ وعده تعالى لأجدادهم إنّما يتمّ على وفق سنّته في طبيعة الاجتماع البشريّ إذا هلك ذلك الجيل الّذي نشأ في الوثنيّة والعبوديّة للبشر وفساد الأخلاق .
ونشأ بعده جيل جديد في حرّيّة البداوة ، وعدل الشّريعة ونور الآيات الإلهيّة - وما كان اللّه ليهلك قوما بذنوبهم ، حتّى يبيّن لهم حجّته عليهم ، ليعلموا أنّه لم يظلمهم وإنّما يظلمون أنفسهم - وعلى هذه السّنّة العادلة أمر اللّه تعالى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدّسة ، بعد أن أراهم عجائب تأييده لرسوله إليهم ، فأبوا واستكبروا فأخذهم اللّه تعالى بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين ، جعلهم هم الأئمّة الوارثين ، جعلهم كذلك بهممهم وأعمالهم ، الموافقة لسننه وشريعته المنزلة عليهم . فهذا بيان حكمة عصيانهم لموسى بعد ما جاءهم بالبيّنات ، وحكمة حرمان اللّه تعالى لذلك الجيل منهم من الأرض المقدّسة .
فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال الّتي بيّنها اللّه تعالى لنا ، ونعلم أنّ إصلاح الأمم بعد فسادها بالظّلم والاستبداد ، إنّما يكون بإنشاء جيل جديد ، يجمع بين حرّيّة البداوة واستقلالها وعزّتها ، وبين معرفة الشّريعة والفضائل والعمل بها . وقد كان يقوم بهذا في العصور السّالفة
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 237
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٢٣٧