أبو السّعود : ( ممّا ترك ) بيان ل ( كلّ ) ، قد فصل بينهما بما عمل فيه ، كما فصل في قوله تعالى :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الأنعام : 14 ، بين لفظ الجلالة وبين صفته بالعامل فيما أضيف إليه ، أعني ( غير ) .
أو ولكلّ قوم جعلناهم موالي أو ورّاثا نصيب معيّن مغاير لنصيب قوم آخرين ممّا ترك الوالدان والأقربون ، على أنّ ( جعلنا موالى ) صفة ل ( كلّ ) ، والضّمير الرّاجع إليه محذوف ، والكلام مبتدأ وخبر ، على طريقة قولك :
لكلّ من خلقه اللّه إنسانا من رزق اللّه ، أي حظّ منه .
وأمّا ما قيل : من أنّ المعنى لكلّ أحد جعلنا موالي ممّا ترك ، أي ورّاثا منه ، على أنّ « من » صلة ( موالى ) لأنّه في معنى الوارث ، وفي ( ترك ) ضمير مستكنّ عائد إلى ( كلّ ) ، وقوله تعالى : ( الوالدان والأقربون ) استئناف مفسّر للموالي ، كأنّه قيل : من هم ؟ فقيل : الوالدان إلخ ، ففيه تفكيك للنّظم الكريم ، لأنّ ببيان « الموالي » بما ذكر يفوت الإبهام المصحّح لاعتبار التّفاوت بينهم ، وبه يتحقّق الانتظام ، كما أشير إليه في تقرير الوجهين الأوّلين ، مع ما فيه من خروج الأولاد من الموالي ؛ إذ لا يتناولهم الأقربون كما لا يتناول الوالدين . ( 1 : 338 )
طه الدّرّة : وجملة ( ترك ) صلة ( ما ) ، أو صفتها ، والعائد أو الرّابط محذوف ، وهو مفعول الفعل ، وهذا على اعتبار الفاعل عائدا على ( كلّ ) ، والكلام بعد مستأنف ، وهو تكلّف لا داعي له ، فإنّ الأصحّ أنّ ( الوالدان ) فاعل ( ترك ) و ( الأقربون ) معطوف عليه ، والكلام بعده مستأنف . ( 3 : 18 )
تركه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى . . .
فَتَرَكَهُ صَلْداً . . .
البقرة : 264
راجع « ص ل د »
تركهم
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ .
البقرة : 17
الإمام الرّضا عليه السّلام : إنّ اللّه لا يوصف بالتّرك كما يوصف خلقه ، ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضّلالة فمنعهم المعاونة واللّطف ، وخلا بينهم وبين اختيارهم . ( البحرانيّ 1 : 65 )
الطّبريّ : وتركهم في ظلمات لا يبصرون بعد الضّياء الّذي كانوا فيه في الدّنيا ، بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون ، كما ذهب ضوء نار هذا المستوقد بانطفاء ناره وخمودها ، فبقي في ظلمة لا يبصر . ( 1 : 145 )
الطّوسيّ : أي أذهب النّور بالظّلمات . ( 1 : 87 )
الزّمخشريّ : ترك بمعنى طرح وخلّى إذا علّق بواحد ، كقولهم : تركهم ترك ظبي ظلّه . فإذا علّق بشيئين كان مضمّنا معنى « صيّر » فيجري مجرى أفعال القلوب .
ومنه قوله :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
أصله : هم في ظلمات ، ثمّ دخل « ترك » فنصب الجزأين . والظّلمة : عدم النّور . ( 1 : 201 )