والجواب عن السّؤال الأوّل من وجهين :
الأوّل : أنّ المراد بالبهيمة وبالأنعام شيء واحد ، وإضافة « البهيمة » إلى « الأنعام » للبيان ، وهذه الإضافة بمعنى « من » كخاتم فضّة ، ومعناه البهيمة من الأنعام ، أو للتّأكيد كقولنا : نفس الشّيء وذاته وعينه .
الثّاني : أنّ المراد ب « البهيمة » شيء وب « الأنعام » شيء آخر ، وعلى هذا التّقدير ففيه وجهان :
الأوّل : أنّ المراد من
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
الظّباء وبقر الوحش ونحوها ، كأنّهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب ، فأضيفت إلى الأنعام لحصول المشابهة .
الثّاني : أنّ المراد ب
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
أجنّة الأنعام .
روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : أنّ بقرة ذبحت ، فوجد في بطنها جنين ، فأخذ ابن عبّاس بذنبها ، وقال : هذا من بهيمة الأنعام .
وعن ابن عمر : أنّها أجنّة الأنعام ، وذكاته ذكاة أمّه . . . [ وقد سكت عن جواب السّؤال الثّاني والثّالث ]
( 11 : 125 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 6 : 32 )
القرطبيّ : واختلف في معنى
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
والبهيمة : اسم لكلّ ذي أربع ، سمّيت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ، ومنه :
باب مبهم ، أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة : للشّجاع الّذي لا يدرى من أين يؤتى له . [ ثمّ ذكر معنى الأنعام وقال : ]
وقال قوم :
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
: وحشيّها كالظّباء وبقر الوحش والحمر ، وغير ذلك . وذكره غير الطّبريّ عن السّدّيّ والرّبيع وقتادة والضّحّاك ، كأنّه قال :
أحلّت لكم الأنعام ، فأضيف الجنس إلى أخصّ منه . [ ثمّ ذكر نصّ قول ابن عطيّة السّابق ، وقال : ]
قلت : فعلى هذا يدخل فيها « ذوات الحوافر » لأنّها راعية غير مفترسة . وليس كذلك ، لأنّ اللّه تعالى قال :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ
النّحل : 5 ، ثمّ عطف عليها قوله :
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ
فلمّا استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دلّ على أنّها ليست منها .
وقيل :
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
ما لم يكن صيدا ، لأنّ الصّيد يسمّى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأوّل .
وروي عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال :
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
: الأجنّة الّتي تخرج عند الذّبح من بطون الأمّهات ، فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عبّاس .
وفيه بعد ، لأنّ اللّه قال :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
وليس في الأجنّة ما يستثنى . ( 6 : 34 )
نحوه أبو حيّان . ( 3 : 412 )
أبو السّعود : البهيمة : كلّ ذات أربع ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب الخزّ ، وإفرادها لإرادة الجنس ، أي أحلّ لكم أكل البهيمة من الأنعام . وهي الأزواج الثّمانية المعدودة في سورة الأنعام ، وألحق بها الظّباء وبقر الوحش ونحوهما .
وقيل : هي المرادة بالبهيمة هاهنا ، لتقدّم بيان حلّ الأنعام ، والإضافة لما بينهما من المشابهة والمماثلة في الاجترار وعدم الأنياب .