النّار .
وقيل : إنّ « اليد » هنا صلة ، كقولهم يد الدّهر ويد السّنة . قال :
* وأيد الرّزايا بالذّخائر مولع *
وقيل : معناه صفرت يداه من كلّ خير .
قال الفرّاء : الأوّل دعاء ، والثّاني خبر ، فكأنّه قال :
أهلكه اللّه وقد هلك . وفي حرف عبد اللّه وأبيّ ( وقد تبّ ) .
وقيل : إنّ الأوّل أيضا ، ومعناه أنّه لم تكتسب يداه خيرا قطّ ، وخسر مع ذلك هو نفسه ، أي تبّ على كلّ حال . ( 5 : 559 )
ابن عطيّة : معناه خسرت ، والتّباب : الخسار والدّمار ، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث « اليد » موضع الكسب والرّبح وضمّ ما يملك ، ثمّ أوجب عليه أنّه قد تبّ ، أي حتم ذلك عليه . ( 5 : 534 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ قوله : ( تبّت ) فيه أقاويل :
أحدها : التّباب : الهلاك ، ومنه قولهم : شابّة أم تابّة ، أي هالكة من الهرم . ونظيره قوله تعالى :
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ
المؤمن : 37 ، أي في هلاك . والّذي يقرّر ذلك أنّ الأعرابيّ لمّا واقع أهله في نهار رمضان ، قال : هلكت وأهلكت ، ثمّ إنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ما أنكر ذلك ، فدلّ على أنّه كان صادقا في ذلك .
ولا شكّ أنّ العمل إمّا أن يكون داخلا في الإيمان ، أو إن كان داخلا لكنّه أضعف أجزائه ، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك . ففي حقّ أبي لهب حصل ترك الاعتقاد والقول والعمل ، وحصل الاعتقاد الباطل ، والقول الباطل ، والعمل الباطل ، فكيف يعقل أن لا يحصل معنى الهلاك ، فلهذا قال ( تبّت ) .
وثانيها : ( تبّت ) : خسرت ، والتّباب هو الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى :
وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ
هود : 101 ، أي تخسير ، بدليل أنّه قال في موضع آخر : غير تخسير .
وثالثها : ( تبّت ) : خابت . قال ابن عبّاس : لأنّه كان يدفع القوم عنه بقوله : إنّه ساحر ، فينصرفون عنه قبل لقائه ، لأنّه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب ، فكان لا يتّهم . فلمّا نزلت السّورة وسمع بها ، غضب وأظهر العداوة الشّديدة ، فصار متّهما ، فلم يقبل قوله في الرّسول بعد ذلك ، فكأنّه خاب سعيه وبطل غرضه .
ولعلّه إنّما ذكر « اليد » لأنّه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه ، فيقول : انصرف راشدا فإنّه مجنون ، فإنّ المعتاد أنّ من يصرف إنسانا عن موضع وضع يده على كتفه ودفعه عن ذلك الموضع .
ورابعها عن عطاء : ( تبّت ) ، أي غلبت ، لأنّه كان يعتقد أنّ يده هي العليا ، وأنّه يخرجه من مكّة ويذلّه ويغلب عليه .
وخامسها ، عن ابن وثّاب : صفرت يداه عن كلّ خير . [ إلى أن قال : ]
أمّا قوله تعالى : ( وتبّ ) ففيه وجوه :
أحدها : أنّه أخرج الأوّل مخرج الدّعاء عليه ، كقوله :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
عبس : 17 ، والثّاني مخرج الخبر ، أي كان ذلك وحصل ، ويؤيّده قراءة ابن مسعود ( وقد تبّ ) .