ولقد أطال من بعدهم في توجيه القراءتين ولم يأتوا بشيء جديد فلاحظ : أبو حيّان ( 4 : 182 ) ، والآلوسيّ ( 7 : 225 ) ، ورشيد رضا ( 7 : 628 ) .
3 -
. . . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
الأنفال : 1
الأخفش : أضاف ( ذات ) إلى « البين » ، وجعله ( ذات ) لأنّ بعض الأشياء يوضع عليه اسم مؤنّث وبعضه يذكّر ، نحو « الدّار » و « الحائط » أنّثت « الدّار » وذكّر « الحائط » . ( 2 : 541 )
الطّبريّ : واختلف أهل العربيّة في وجه تأنيث « البين » ، فقال بعض نحويّي البصرة . [ وذكر نحو كلام الأخفش وأضاف : ]
وقال بعضهم : إنّما أراد بقوله : ( ذات بينكم ) الحال الّتي للبين ، فقال : ذات العشاء ، ويريد السّاعة الّتي فيها العشاء . قال : ولم يضعوا مذكّرا لمؤنّث ، ولا مؤنّثا لمذكّر ، إلّا لمعنى .
هذا القول أولى القولين بالصّواب ، للعلّة الّتي ذكرتها له . ( 9 : 178 )
نحوه الطّوسيّ . ( 5 : 89 )
الزّجّاج : حقيقة وصلكم ، والبين : الوصل ، قال تعالى :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
الأنعام : 94 ، أي وصلكم .
فالمعنى : اتّقوا اللّه ، وكونوا مجتمعين على ما أمر اللّه ورسوله . وكذلك « اللّهم أصلح ذات البين » أي أصلح الحال الّتي بها يجتمع المسلمون . ( 2 : 400 )
الميبديّ : أي الحالة الّتي بينكم ، ليكون سببا لألفتكم واجتماع كلمتكم . ( 4 : 4 )
نحوه البغويّ ( 2 : 266 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 384 ) ، والخازن ( 3 : 4 ) .
الزّمخشريّ : إن قلت : ما حقيقة قوله :
ذاتَ بَيْنِكُمْ ؟
قلت : أحوال بينكم ، يعني ما بينكم من الأحوال حتّى تكون أحوال ألفة ومحبّة واتّفاق ، كقوله :
بِذاتِ الصُّدُورِ
الأنفال : 43 ، وهي مضمراتها .
لمّا كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها : « ذات البين » ، كقولهم : اسقني ذا إنائك ، يريدون : ما في الإناء من الشّراب ، وقد جعل التّقوى وإصلاح ذات البين وطاعة اللّه ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته ، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التّوفّر عليها . ( 2 : 141 )
نحوه الفخر الرّازيّ ( 15 : 116 ) ، والنّيسابوريّ ( 9 :
120 ) ، وأبو السّعود ( 3 : 76 ) ، والبروسويّ ( 3 : 311 ) .
ابن عطيّة : تصريح بأنّه شجر بينهم اختلاف ، ومالت النّفوس إلى التّشاحّ . و ( ذات ) في هذا الموضع يراد بها نفس الشّيء وحقيقته ، والّذي يفهم من ( بينكم ) هو معنى يعمّ جميع الوصل والالتحامات والمودّات ، وذات ذلك هي المأمور بإصلاحها ، أي نفسه وعينه ، فحضّ اللّه على إصلاح تلك الأجزاء . فإذا صلحت تلك حصل إصلاح ما يعمّها ، وهو البين الّذي لهم .
وقد تستعمل لفظة « الذّات » على أنّها لزيمة ما تضاف إليه ، وإن لم تكن عينه ونفسه ؛ وذلك في قوله :
عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
الأنفال : 43 ، و
ذاتِ الشَّوْكَةِ
الأنفال : 7 ، فإنّها هاهنا مؤنّثة قولهم : الذّئب مغبوط بذي