المعنى ب ( تقطّع ) ، لكنّه لمّا جرى في أكثر الكلام منصوبا تركه في حال الرّفع على حاله منصوبا ، لكثرة استعماله كذلك ، وهو مذهب الأخفش .
والقراءتان على هذا بمعنى واحد . ومثله عند الأخفش قوله :
وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
الجنّ : 11 ، ومثله :
يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
الممتحنة : 3 ، في قراءة من ضمّ الياء ، وفتح الصّاد .
ف « دون » و « بين » استعملا في هذه المواضع اسما غير ظرف ، لكن تركا على الفتح ، وموضعهما رفع ، من أجل أنّ أكثر ما استعملا بالنّصب على أنّهما ظرفان .
( 1 : 278 )
نحوه أبو البركات ( 1 : 332 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 322 ) .
الماورديّ : فيه وجهان : أحدهما : تفرّق جمعكم في الآخرة ، والثّاني : ذهب تواصلكم في الدّنيا ، قاله مجاهد .
ومن قرأ ( بينكم ) بالفتح ، فمعناه تقطّع الأمر بينكم .
( 2 : 146 )
الطّوسيّ : قرأ أهل المدينة والكسائيّ وحفص ( بينكم ) بنصب النّون ، الباقون برفعها .
البين : مصدر بان يبين ، إذا فارق . [ ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال : ]
واستعمل هذا الاسم على ضربين : أحدهما : أن يكون اسما منصرفا كالافتراق ، والآخر : أن يكون ظرفا .
فمن رفعه رفع ما كان ظرفا استعمله اسما . ويدلّ على جواز كونه اسما قوله :
هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
الكهف : 78 ، وقوله :
مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
فصّلت : 5 ، فلمّا استعمل اسما في هذه المواضع ، جاز أن يسند إليه الفعل الّذي هو ( تقطّع ) في قراءة من رفع .
ويدلّ على أنّ هذا المرفوع هو الّذي استعمل ظرفا ، أنّه لا يخلو من أن يكون الّذي هو ظرف اتّسع فيه ، أو يكون الّذي هو مصدر ، ولا يجوز أن يكون الّذي هو مصدر ، لأنّ التّقدير يصير : لقد تقطّع افتراقكم ، وهذا خلاف المعنى المراد ، لأنّ المراد : لقد تقطّع وصلكم ، وما كنتم تتألّفون عليه .
فإن قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل وأصله الافتراق والتّباين ، وعلى هذا قالوا : بان الخليط ، إذا فارق ، وفي الحديث : « ما بان من الحيّ فهو ميتة » .
قيل : إنّه لمّا استعمل مع الشّيئين المتلابسين ، نحو :
بيني وبينك شركة ، وبيني وبينه صداقة ورحم ، صار لذلك بمنزلة الوصلة وعلى خلاف الفرقة ، فلذلك صار
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
بمعنى لقد تقطّع وصلكم ، ومثل « بين » في أنّه يجري في الكلام ظرفا ، ثمّ يستعمل اسما بمعنى « وسط » ، ساكن العين ، ألا ترى أنّهم يقولون :
جلست وسط القوم ، فيجعلونه ظرفا لا يكون إلّا كذلك ، وقد استعملوه اسما . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وأمّا من نصب ( بينكم ) ففيه وجهان :
أحدهما : أنّه أضمر الفاعل في الفعل ، ودلّ عليه ما تقدّم من قوله :
وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ
الأنعام : 94 ، لأنّ هذا الكلام فيه دلالة على التّقاطع والتّهاجر ، وذلك المضمر هو الأصل ، كأنّه قال : لقد تقطّع وصلكم بينكم .