القرطبيّ : أي ليبيّن لكم أمر دينكم ومصالح أمركم ، وما يحلّ لكم وما يحرم عليكم ؛ وذلك يدلّ على امتناع خلوّ واقعة عن حكم اللّه تعالى ، ومنه قوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
الأنعام : 38 .
( 5 : 147 )
أبو حيّان : أي تحليل ما حلّل وتحريم ما حرّم ، وتشريع ما تقدّم ذكره . المعنى يريد اللّه تكليف ما كلّف به عباده ممّا ذكر ، لأجل التّبيين لهم بهدايتهم ، فمتعلّق الإرادة غير التّبيين وما عطف عليه . هذا مذهب البصريّين ، ولا يجوز عندهم أن يكون متعلّق الإرادة التّبيين ، لأنّه يؤدّي إلى تعدّي الفعل إلى مفعوله المتأخّر بواسطة اللّام ، وإلى إضمار « أن » بعد « لام » ليست لام الجحود ولا لام « كي » ، وكلاهما لا يجوز عندهم .
ومذهب الكوفيّين أنّ متعلّق الإرادة هو التّبيين ، واللّام هي النّاصبة بنفسها لا « أن » مضمرة بعدها .
وقال بعض البصريّين : إذا جاء مثل هذا قدّر الفعل الّذي قبل « اللّام » بالمصدر ، فالتّقدير : إرادة اللّه لما يريد ليبيّن ، وكذلك : أريد لا ينسى ذكرها ، أي إرادتي لا ينسى ذكرها ، وكذلك قوله تعالى :
وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
الأنعام : 71 ، أي أمرنا بما أمرنا لنسلم ، انتهى .
وهذا القول نسبه ابن عيسى لسيبويه والبصريّين ، وهذا يبحث فيه في علم النّحو . [ ثمّ نقل قول الزّمخشريّ وقال : ]
وهو خارج عن أقوال البصريّين والكوفيّين . وأمّا كونه خارجا عن أقوال البصريّين فلأنّه جعل « اللّام » مؤكّدة مقوّية لتعدّي ( يريد ) والمفعول متأخّر ، وأضمر « أن » بعد هذه « اللّام » .
وأمّا كونه خارجا عن قول الكوفيّين ، فإنّهم يجعلون النّصب ب « اللّام » لا ب « أن » وهو جعل النّصب ب « أن » مضمرة بعد اللّام .
وذهب بعض النّحويّين إلى أنّ « اللّام » في قوله :
لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
لام العاقبة ، قال : كما في قوله :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
القصص : 8 ، ولم يذكر مفعول ( يبيّن ) .
قال عطاء : يبيّن لكم ما يقرّبكم ، وقال الكلبيّ : يبيّن لكم أنّ الصّبر عن نكاح الإماء خير ، وقيل : ما فصّل من المحرّمات والمحلّلات ، وقيل : شرائع دينكم ومصالح أموركم ، وقيل : طريق من قبلكم إلى الجنّة .
ويجوز عندي أن يكون من باب الإعمال ، فيكون مفعول ( ليبيّن ) ضميرا محذوفا يفسّره مفعول ( ويهديكم ) ، نحو : ضربت وأهنت زيدا ، التّقدير ليبيّنها لكم ويهديكم سنن الّذين من قبلكم ، أي ليبيّن لكم سنن الّذين من قبلكم . ( 3 : 225 )
الآلوسيّ : استئناف مقرّر لما سبق من الأحكام ، ومثل هذا التّركيب وقع في كلام العرب قديما وخرّجه النّحاة - كما قال الشّهاب - على مذاهب ، فقيل : مفعول ( يريد ) محذوف ، أي تحليل ما أحلّ وتحريم ما حرّم ، ونحوه . [ ثمّ ذكر نحوا ممّا تقدّم من الأقوال ] ( 5 : 13 )
رشيد رضا : [ حكى قول الكوفيّين والبصريّين في ( ليبيّن ) من دون ترجيح ] ( 5 : 28 )
الطّباطبائيّ :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
أي أحكام دينه ، ممّا فيه صلاح دنياكم وعقباكم ، وما في ذلك من المعارف والحكم . وعلى هذا فمعمول قوله : ( يبيّن )