قبله وبعده .
فإن قلت : يفتقر ثبوت هذا الدّليل إلى بيان أنّ ( البيان ) في هذه الآية هو الّذي أنتم بصدد إثباته ، وإلّا فبتقرير أن لا يكون هو المراد ، لا يكون لكم في الآية حجّة .
قلت : نعم ، والدّليل عليه [ قول الحسن البصريّ ومحمّد بن كعب ويمان : ]
وكلّ هذا راجع إلى ما قلناه وما في معناه ، ثمّ إنّ هذا موافق لظاهر اللّفظ ، وهو أولى من غيره .
( الإكسير في علم التّفسير : 34 )
الشّربينيّ : أي القوّة النّاطقة ، وهي الإدراك للأمور الكلّيّة والجزئيّة ، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر ، وغير ذلك ممّا أودعه له سبحانه مع تعبيره عمّا أدركه ، ممّا هو غائب في ضميره ، وإفهامه لغيره تارة بالقول وتارة بالفعل ، نطقا وكتابة وإشارة وغيرها ، فصار بذلك ذا قدرة في نفسه والتّكميل لغيره ، فهذا تعليم البيان الّذي مكّن من تعليم القرآن .
( 4 : 157 )
أبو السّعود : هو التّعبير عمّا في الضّمير ، وليس المراد بتعليمه مجرّد تمكين الإنسان من بيان نفسه ، بل منه ومن فهم بيان غيره أيضا ؛ إذ هو الّذي يدور عليه تعليم القرآن . والجمل الثّلاث أخبار مترادفة ل ( الرّحمن ) ، وإخلاء الأخيرتين عن العاطف لورودها على منهاج التّعديد . ( 6 : 174 )
البروسويّ : [ مثل أبي السّعود وأضاف : ]
وفي « بحر العلوم » خلق الإنسان ، أي آدم وعلّمه الأسماء واللّغات كلّها ، وكان آدم يتكلّم بسبعمئة ألف لغة أفضلها العربيّة ، انتهى .
يقول الفقير : فيه إشارة إلى أنّ اللّه تعالى قد تكلّم بجميع اللّغات ، سواء كان التّعليم بواسطة أم لا .
فإن قلت : كيف يتكلّم اللّه باللّغات المختلفة ، والكلام النّفسيّ عار عن جميع الأكسية ؟
قلت : نعم ، ولكنّه في مراتب التّنزّلات والاسترسالات لا بدّ له من الكسوة ، فالعربيّة مثلا كسوة عارضة بالنّسبة إلى الكلام في نفسه ، وقد ذقنا في أنفسنا أنّه يجيء الإلهام والخطاب تارة باللّفظ العربيّ ، وأخرى بالفارسيّ وبالتّركيّ ، مع كونه بلا واسطة ملك ، لأنّ الأخذ عن اللّه لا ينقطع إلّا يوم القيامة ، وذلك بلا واسطة ، وإن كان الغالب وساطة الملك من حيث لا يرى ، فاعرف ذلك . ( 9 : 289 )
الآلوسيّ : [ ذكر قول أبي السّعود وبعض الأقوال المتقدّمة ، فراجع ] ( 27 : 99 )
سيّد قطب :
خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ
وندع - مؤقّتا - خلق الإنسان ابتداء ، فسيأتي ذكره في مكانه من السّورة بعد قليل ؛ إذ المقصود من ذكره هنا هو ما تلاه من تعليمه البيان .
إنّنا نرى الإنسان ينطق ويعبّر ويبيّن ، ويتفاهم ويتجاوب مع الآخرين ، فنسي بطول الألفة عظمة هذه الهبة ، وضخامة هذه الخارقة ، فيردّنا القرآن إليها ، ويوقظنا لتدبّرها ، في مواضع شتّى .
فما الإنسان ؟ ما أصله ؟ كيف يبدأ ؟ وكيف يعلّم البيان ؟