أولى بالصّواب . وكذلك أيضا الأغلب من تأويل قوله :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
أنّه بمعنى :
ولا عليكم أيّها النّاس .
ثمّ جمع هؤلاء والزّمنى الّذين ذكرهم قبل في الخطاب ، فقال : أن تأكلوا من بيوت أنفسكم ، وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بين خبر الغائب والمخاطب ، غلّبت المخاطب ، فقالت : أنت وأخوك قمتما ، وأنت وزيد جلستما ، ولا تقول : أنت وأخوك جلسا ، وكذلك قوله :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ
والخبر عن الأعمى والأعرج والمريض ، غلّب المخاطب ، فقال : أن تأكلوا ، ولم يقل : أن يأكلوا .
فإن قال قائل : فهذا الأكل من بيوتهم قد علمناه ، كان لهم حلالا ؛ إذ كان ملكا لهم ، أو كان أيضا حلالا لهم الأكل من مال غيرهم ؟
قيل له : ليس الأمر في ذلك على ما توهّمت ، ولكنّه كما ذكرناه عن عبيد اللّه بن عبد اللّه ، أنّهم كانوا إذا غابوا في مغازيهم ، وتخلّف أهل الزّمانة منهم ، دفع الغازي مفتاح مسكنه إلى المتخلّف منهم ، فأطلق له في الأكل ممّا يخلّف في منزله من الطّعام ، فكان المتخلّفون يتخوّفون الأكل من ذلك وربّه غائب ، فأعلمه اللّه أنّه لا حرج عليه في الأكل منه ، وأذن لهم في أكله .
فإذ كان ذلك كذلك تبيّن أنّ لا معنى لقول من قال :
إنّما أنزلت هذه الآية من أجل كراهة المستتبع أكل طعام غير المستتبع ، لأنّ ذلك لو كان كما قال من قال ذلك ، لقيل : ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم ، أو من طعام آباء من دعاكم ، ولم يقل : أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم .
وكذلك لا وجه لقول من قال : معنى ذلك : ليس على الأعمى حرج في التّخلّف عن الجهاد في سبيل اللّه ، لأنّ قوله :
أَنْ تَأْكُلُوا
خبر ( ليس ) ، و ( ان ) في موضع نصب على أنّها خبر لها ، فهي متعلّقة ب ( ليس ) ، فمعلوم بذلك أنّ معنى الكلام : ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته ، لا ما قاله الّذين ذكرنا ، من أنّه لا حرج عليه في التّخلّف عن الجهاد .
فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا ، تبيّن أنّ معنى الكلام : لا ضيق على الأعمى ، ولا على الأعرج ، ولا على المريض ، ولا عليكم أيّها النّاس ، أن تأكلوا من بيوت أنفسكم ، أو من بيوت آبائكم ، أو من بيوت أمّهاتكم ، أو من بيوت إخوانكم ، أو من بيوت أخواتكم ، أو من بيوت أعمامكم ، أو من بيوت عمّاتكم ، أو من بيوت أخوالكم ، أو من بيوت خالاتكم ، أو من البيوت الّتي ملكتم مفاتحها ، أو من بيوت صديقكم ، إذا أذنوا لكم في ذلك ، عند مغيبهم ومشهدهم . ( 18 : 170 )
الماورديّ : فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : من أموال عيالكم وأزواجكم لأنّهم في بيته .
الثّاني : من بيوت أولادكم ، فنسب بيوت الأولاد إلى بيوت أنفسهم ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنت ومالك لأبيك » ولذلك لم يذكر اللّه بيوت الأبناء حين ذكر بيوت الآباء والأقارب ، اكتفاء بهذا .
الثّالث : يعني بها البيوت الّتي هم ساكنوها خدمة لأهلها واتّصالا بأربابها كالأهل والخدم . ( 4 : 123 )