الصّيام ، أي القصد إليه ليلا .
واشتقاقه من « البيتوتة » فإنّ وقتها هو الوقت الّذي يجتمع فيه الفكر ويصفو فيه الذّهن .
وقيل : إنّه مشتقّ من أبيات الشّعر ، أي روزوا ورتّبوا في سرائرهم غير ما تأمرهم به كما يروزون الأبيات من الشّعر . أي يعزمون على المخالفة مع التّفكّر في كيفيّتها واتّقاء غوائلها ، كما يرتّبون أبيات الشّعر ويزنونها .
قال الأستاذ الإمام : ليس هذا خاصّا بالمنافقين بل يكون من ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب ، وهذا الرّأي هو الموافق لما قاله في الآيات السّابقة .
وروى ابن جرير عن ابن عبّاس أنّه قال : هم ناس يقولون عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آمنّا باللّه ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ، وإذا برزوا من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده ، فعاتبهم اللّه . ( 5 : 286 )
الطّباطبائيّ : والتّبييت من « البيتوتة » ومعناه إحكام الأمر وتدبيره ليلا . ( 5 : 18 )
عبد المنعم الجمّال : التّبييت : تدبير الأمور بليل ، وكلّ أمر دبّر في خفاء يقال فيه : هذا أمر بيّت بليل . ( 1 : 577 )
يبيّتون
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً .
النّساء : 108
ابن عبّاس : يؤلّفون ويقولون من القول ما لا يرضى اللّه ولا يرضونه مقدّم ومؤخّر . ( 79 )
نحوه أبو زيد . ( ابن عطيّة 2 : 110 )
الطّبريّ : يعني : واللّه شاهدهم ، إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول ، يقول : حين يسوّون ليلا ما لا يرضى من القول ، فيغيّرونه عن وجهه ، ويكذبون فيه . وقد بيّنّا معنى « التّبييت » في غير هذا الموضع ، وأنّه كلّ كلام أو أمر أصلح ليلا . وقد حكي عن بعض الطّائيّين أنّ التّبييت في لغتهم : التّبديل . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وروي عن أبي رزين أنّه كان يقول في معنى قوله :
( يبيّتون ) : يؤلّفون .
وهذا القول شبيه المعنى بالّذي قلناه ؛ وذلك أنّ التّأليف هو التّسوية والتّغيير عمّا هو به ، وتحويله عن معناه إلى غيره . ( 5 : 271 )
الزّجّاج : كلّ ما فكّر فيه أو خيض فيه بليل فقد بيّت .
يعني به هذا السّارق ، والّذي بيّت من القوم أن قال [ في قصّة سرقة أبي طعمة درعا ورميه في دار اليهوديّ ] :
أرمي اليهوديّ بأنّه سارق الدّرع وأحلف أنّي لم أسرقها ، فتقبل يمييني لأنّي على ديني ، ولا تقبل يمين اليهوديّ . فهذا ما بيّت من القول واللّه أعلم . ( 2 : 101 )
الطّوسيّ : [ قال نحو الطّبريّ وأضاف : ]
المعني بالآية : الرّهط الّذين مشوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في مسألة المدافعة عن بني أبيرق ، والجدال عنه
وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
يعني يعلم ما يعلمه هؤلاء المستخفون من النّاس ، وتبييتهم ما لا يرضى من القول